قضية المرأة في العصر الحديث , مسألة فيها نظر !

قضايا المرأة و الأمومة
خيارات
قضية المرأة في العصر الحديث , مسألة فيها نظر !

المرأة كائن بشري له كامل الحقوق ، وعليه كامل الواجبات

، فلا وجود لعالم بلا نساء ، كما أنه لا يمكن أن يكون هناك عالم بلا رجال ، تلك مسألة معروفة في الحياة ، ولكنها أصبحت اليوم مسألة يمكن التجاوز عنها بسرعة ، فهناك حديث عن عالم بلا رجال ، هل هذا يمكن ؟

الحديث عن حقوق المرأة بعيدا عن الرجال حديث يحتاج إلي الوقوف عنده طويلا ، لماذا حقوق المرأة منفصلة عن حقوق الرجال ؟ فهل المرأة كائن بسيط غير مركب تعيش لوحدها ؟ أم أنها جزء من الكل ؟ ولماذا تم دمج حقوق المرأة في مشاريع ( الحركات الأنثوية ) ؟ وماذا تعني الحركة الأنثوية ؟ وهل هي جزء من حركات تحرير المرأة ؟ أم هي لها أهداف سياسية أخري ؟

الحديث عن عالم المرأة كالحديث عن عالم الفقراء بلا مجتمع ، وعن عالم السود بلا قيم مرجعية نهائية ، وعن عالم الشواذ جنسيا لأجل تفتيت المجتمع البشري ، وعن حقوق العري في حياة ما بعد الحداثة ، وليس بالضرورة عن حقوق المرأة ككائن بشري له ما للرجل من حقوق ، وعليه ما علي الرجل من حقوق .

المرأة كائن إنساني خلق مثل الرجل ، فكان الصراع سابقا في الغرب ، هل للمرأة روح ؟ فانتهي البحث في إقرارهم لذلك ، ولكنهم قالوا : روحها ليس كروح الرجل ، وخلقت للرجل ، أو علي الأقل خلقت لاستمتاع الرجل بها .

المرأة كائن انساني خلق مثل الرجل ، فكان الصراع سابقا ، هل من حقها العمل ؟ وهل من حقها العلم والتعلم ؟ وهل من حقها الدخول في الحياة السياسية ؟ فكان الغرب كالشرق يرفض كل هذه الحقوق بعنجهية ، وجعلوها سلعة فقط ، بيد أنها ليست شيئا ، وإنما هي فوق الشيء بقليل .

المرأة كانت قضية كبري في عصر الثورات ، وفي عصر التغييرات ، وعلم الناس جميعا أنه لا يمكن التغيير في الحياة بدون المرأة ، فكانت حاضرة في كل المشاريع ، ولكنها لم تكن مشروعا سياسيا لأحد إلا في هذا العصر ، فقد تحولت المرأة من عنصر صانع للتغيير إلي عنصر مفتت للحياة ، السؤال ، كيف ؟ ولماذا ؟

إن البحث في هذا المسألة يحتاج منا إلي أن نملك رؤية نقدية لمشاريع الآخرين ، فنحن اليوم نعيش لحظة استقبال لأفكار الناس بلا قراءة موضوعية لها ، ما الذي يجري وراء الكواليس ؟ ولماذا صارت القضية تتمركز حول الأنثي ؟ وليس حول الإنسان ؟ فما الفرق بين تحرير المرأة كقضية ؟ وبين الحركات الموسومة ( بالفيمينزم ) ؟ وهل هما في الهم سواء ؟ أم بينهما اختلاف وتباين كبيرين ؟ ما وجه الإختلاف ؟ وما وجه التشابه ؟ لماذا نقبل مشروع تحرير المرأة ؟ ونرفض مشروع التمركز حول الأنثي ؟

كتب الفيلسوف المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري بحثا موجزاً ومركزا حول هذه القضية ، وهي رسالة لا تتعدي في صفحاتها اثنتين وخمسين ، ولكنها سميكة البنيان ، متانة الأركان ، قوية الحجة والطرح ، تري في الموضوع بموضوعية العري الفكري فيه ، وتحدث عن الفرق بين تحرير المرأة كموضوع انساني ، والتمركز علي الأنثي كقضية ناتجة من الرؤية التبسيطية الغربية للحياة من جانب ، والرؤية العلمانية ذات البعد الواحد في قراءة الحياة من جانب آخر ، وذكر بأن الترجمة لكلمة ( féminisme ) ليست صحيحة ، وإنما هي مرتبطة بحديث الغرب عن حقوق الإنسان كوحدة مستقلة بسيطة كمية ، أحادية البعد ، غير إجتماعية ، لا علاقة لها بأسرة أو مجتمع أو حتي حقبة تاريخية ، أو دينية .

إن البعض منا يحسب العملية وكأنها جزء من الحركة التاريخية لتحرير المرأة ، فليس الأمر كذلك في نظر المسيري ، لأن الحركة التي كانت تعني بتحرير المرأة لم تكن تفكر في هدم المجتمع من أساسه ، وما سمي ب ( women's libration mouvement ) ترجمته العربية تكون كالتالي ( حركة تحرير المرأة ) وتعني بالدفاع عن حقوق المرأة في المجالات السياسية والإقتصادية والاجتماعية .

أما حركات التمركز حول الأنثي فهي ترجمة اصطلاحية يقصد بها إعلان الحرب علي الرجال من قبل النساء ، واعتبارهما في صراع دائم لا يمكن العيش لهما معا .

وتنطلق الرؤية الغربية من منطلق مادي صرف ، تحول الحياة كلها إلي أشياء مادية لا تتجاوز عوالم الحواس الخمسة ، ومن هنا فهي ردة حضارية وليست تقدما حضاريا في المستوي الإنساني ، ومرتبطة كذلك بما يسمي اليوم ( نظرية الحقوق الجديدة ) وهذا تعبير انحاز اليه المفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري في قراءاته الأخيرة ، وهي حقوق جزئية ، وبالتالي تجعل المجتمعات كلها أقليات تحارب بعضها بعضا .

إن هذه الرؤية تسعي إلي إحداث ثورة شاملة في كل شيء ، في التاريخ واللغة والثقافة والدين ، لا بد من أن تتمركز الحياة علي الأنثي ، فالتاريخ ذكوري ، كتبه الرجال ، وصنعه الرجال ، واللغة فيها انحياز لعالم الذكورة ، فلا بد من إحداث بنيوي فيها ، ولهذا اصطلحوا بكلمة ( الجندر ) والتي تعني النوع ، وإنهم يقولون بلا خجل فلا بد من التغيير حتي الحديث عن الذات الإلهية ، يجب أن نتجاوز عن الإله ( الذكوري ) تعالي عما يقولون علوا كبيرا ، فيقولون : خلق الإله - خلقت الإله ، لأن الذكور هم الذين صنعوا الإصطلاح الذكوري في حق الله تبارك وتعالي ، وهو حديث يدل علي نوعية التفكير السائد في هذه الحركة النسوانية كما يقولون .

وفي احتفالاتنا البهيجة ليوم المرأة العالمي ، وهي احتفالات شكلية مسيسة عديمة المعني والمحتوي ، نتناول أمرين اثنين بشكل كبير ، ولكن دون أن نفقه المعني والمحتوي ، فلدينا حديث لا يتوقف عن المساواة بين الجنسين ، ولكن من أين نأخذ هذا ؟ أين المرجعية النهائية ؟ فنحن نعود إلي مقررات المؤتمرات العالمية ( بكين +5 ) حيث تناول المؤتمرون قضية ( gender Equality ) وقاموا بترجمتها بشكل خاطئ حتي تكون مقبولة لدي المجتمعات المسلمة والشرقية ، والترجمة الصحيحة لها ( مساواة النوع ) وتلغي الترجمة الصحيحة كل التباينات الموجودة بين الرجل والمرأة مدعية بأنها كانت من صناعة الرجال ، كما أنهم يتناولون كذلك في خطاباتهم مصطلح ( تمكين المرأة ) ، وهو مصطلح مقبول لدي الشعوب الحية كلها ، ولكن هل الترجمة صحيحة ؟

لقد أخذت من المصطلح الذي تم تناوله في المقررات الدولية وهو ( women Empowerment ) ، وترجمته الصحيحة تكون ( استقواء المرأة ) وليس تمكين المرأة ، فهذه المقررات كلها أتت من خلال عمل منظم من قبل الحركات النسوانية المتطرفة (Radicale feminisme ) .

إن هذه الحركات تسعي بلا تعب ولا ملل إلي خلق مناخ يؤدي إلي الصراع ما بين المكونين الأساسيين للحياة ، ولهذا فهم يحاربون القيم الانسانية ذات البعد المركب كالدين والتاريخ ، وقد أعلنت سيدة من هذه الحركات مرة قائلة : إذا كانت الفيمينزم نظرية ، فالسحاق هو التطبيق .

ما الحل ؟

-------

نحن لا نعيش في هذا الكون لوحدنا ، فالعالم قد صار قرية واحدة بسبب التداخل الذي نتج عن التواصل المفتوح ، ولهذا يجب أن نقدم رؤيتنا للعالم عبر الكلمة بالحسني ، وليس فقط لأمتنا التي تعيش في جراحاتها المختلفة ، فرؤيتنا المنبثقة من الإسلام الحضاري ليست للأمة فقط ، بل هي للبشرية جمعاء ، ورؤية الإسلام في مثل هذا الموضوع عميقة الجذور ، قوية البناء ، تملك الحجة الدامغة ، ولكنها تحتاج إلي محامين ناجين في التقديم والطرح .

الخطاب الإسلامي موجه من الدرجة الأولي إلي الناس ، وليس إلي نوع معين ( يا أيها الناس ) - ( يا أيها الذين أمنوا) ، وهذا النوع من الخطاب يفيد العموم ، فليس هناك في الأصل خطاب خاص للمرأة ، وآخر خاص للرجل ، ولكن قد بكون هناك أحكام خاصة بالرجل ، وأخري بالمرأة ، ولكنها تبقي في الإستثناء ، وأشار العلامة البوطي رحمه الله هذا قائلا : قد يقال : فما بال الرجال يخاطبون بتكاليف لا تخاطب بها النساء ؟ وما بال النساء يخاطبن بتكاليف لا يخاطب بها الرجال ؟ والجواب ، أن الإختلاف ليس آتيا من فرق ما بين الذكورة والأنوثة ، وإنما هوآت من عوامل أخري خارجية تتعلق بالحكمة والمصلحة .

في خطابنا الإسلامي ، لا يوجد فيه صراع ما بين المكونين الأساسيين للحياة البشرية ، بل التكامل هو الأصل ، فهما في الأصل من طبيعة واحدة ، من نفس واحدة ، ولكنهما يختلفان في بعض الوجوه لأجل التكامل ، فإذا كان الليل والنهار من طبيعة واحدة ( الزمن ) ولكنهما يختلفان في أداء الدور ، ففي الليل نشعر السكن ، وفي النهار نستعد لأداء العمل ( وجعلنا الليل لباسا ، وجعلنا النهار معاشا ) ، وليس من العبث أن تتحدث سورة الليل عن دور خاص بالليل ، وعن دور آخر للنهار بشكل بلاغي معجز ، ومن ثم يأتي حديث خاص عن الذكر والأنثي بعدهما ( والليل إذا يغشي ، والنهار إذا تجلي . وما خلق الذكر والأنثي ، إن سعيكم لشتي ) .

في الخطاب الإسلامي نجد العلاقة ما بين الرجل والمرأة تكامليا ، ولا تأخذ منحي صراعيا ، فكما أنه يؤكد هذا الخطاب المساواة ما بين الجنسين ، ولكنه لا يقول التساوي المطلق حتي لا يخرج الإنسانية من فطرتها ، ولهذا وحدنا النصوص العامة تتناول في إطارها العامة المساواة ، ونجد النصوص الجزئية تتناول في إطاراتها الخاصة الأحكام الخاصة معلنة بوجود فوارق أساسية ما بين الجنسين .

لا شك في وجود خطاب راديكالي علماني يخرب العلاقة ما بين الجنسين في العالم اليوم ، ولكنه وجد إلي جانبه خطاب متطرف إسلامي يحاول إخراج المراة من الحياة ، والمشكلة تكمن في غياب الوسطية عن البشرية ، وفي أحد الكتب الهامة للشيخ الغزالي عنوان بارز لهذا ( المرأة بين التقاليد الوافدة والراكدة ) ، ومن هنا ضاعت قضية المرأة ، وصارت مسألة فيها نظر .

إن علاقة المرأة بالرجل في الخطاب الإسلامي مركبة ، وإنسانية ، وذات أبعاد متعددة ، فالحياة الإسلامية لا تبدأ من الفرد الهائم ، وإنما تبدأ من الأسرة المستقرة ، ومن هنا نجد التكامل ما بين الأدوار ، فالمرأة في بيتها ليست عاطلة عن العمل ، بل منتجة وصانعة ، ولكن الفكر الوافد رسخ في أذهاننا بأن المرأة التي تعمل في بيتها غير ممكنة في حياتها ، وهي رؤية غريبة تنبثق عن الرؤية الغربية في نظرتها للإنتاج .

لا نستطيع أن نفهم التكامل في غياب مفهوم الأسرة ، ولا نفهم كذلك مفهوم السكن النفسي والروحي في الحياة بدون أسرة ، ولهذا نقول مع الدكتور سعد الدين العثماني الباحث المغربي ، بأننا نحتاج إلي تبني رؤية إسلامية حضارية مخلصة من شوائب القرون ، ومن تشيئ وإباحية التغريب ، إن الأمر جد لأنه يتعلق بنصف المجتمع ، فبدون حياته فلا حياة للمجتمع ، وبدون حيويته فلا حيوية للمجتمع .

إننا نحتاج إلي شيوع ثقافة جديدة تنطلق من الفكر الإسلامي ، ثقافة من شأنها صناعة مناخ ( التراحم والتكامل ) وليس الصراع والتنافر ، ليس كما يقول توماس هوبز بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ، بل الرجل شقيق المرأة ، والمرأة شقيقة الرجل كما في النص النبوي ( إنما النساء شقائق الرجال ) ، وفي القرآن سورة كاملة تعتبر من السور الطوال سميت ب ( سورة النساء ) ، وجل حديثها عن الأسرة ، وكأن القرآن ينبه للناس مركزية الأسرة في الحياة البشرية ، وأهمية المرأة للأسرة .

في الغرب اليوم حديث عن مستقبل الانسان بعد ضياع الأسرة ، ينبئ بأن العالم بدأ يدخل مرحلة خطيرة ، وفي العالم الإسلامي حديث آخر عن حقوق المرأة بعد ضياع الإنسان ، فإذا كان المسلمون يعيشون في مرحلة استبداد سياسي ، فان الغرب يعيش في مرحلة استبداد ثقافي ، والحل يكمن في طرح المفهوم القرآني الوسطي ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) .

هذه مجرد تساؤلات في اليوم العالمي للمرأة ، في يوم خصص للمرأة ، والحديث فيه متشابه ، فما قيل في الصومال ، ذلك البلد المنكوب ، والذي تتعرض فيه المرأة بإهانات مختلفة بسبب غياب الدولة المركزية من البلد كله ، تم استنساخه في جيبوتي حيث يتعرض الانسان في هذا البلد قتلا معنويا ، فيتم مصادرة حقوقه المعنوية ، ولكن الحديث المنقوص ، والأحادي كان هو المسيطر ، ووراء الحديث مشاريع ، ومن وراء المشاريع منظمات ، ومن وراء المنظمات أفكار ، وليس للموطنين سوي الإستماع للأغنيات ، والكلمات ، وتسير المشاريع نحو أهدافها المعلنة والمبطنة ، ومن الغريب أنني وجدت في الغرب منظمات كبيرة تسعي جاهدة لمواجهة المشروع المتطرف ( التمركز حول الأنثي ) ولكن قومي فيما وراء البحار لا يحسنون إلا التصفيق ، يا ليتهم فقهوا قبل فوات الأوان .

كم كان عظيما الأستاذ مالك بن نبي الذي تنبه في وقت مبكّر بأن الصراع في العالم اليوم فكري ، وأعلن ذلك في جل كتبه ، وليست المعركة في هذاالعصر معركة حدود ، فالآخرون يخططون لغزو العقول بأفكار منظمة ، بينما نحن نخطط لقتل بعضنا البعض باسم الدين حينا ، وباسم الوطنية حينا أخر ، والخاسر الوحيد في جميع معاركنا الوهمية هو الإنسان ، ذكرا كان أو أنثى .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location