شذرات من ألحان مقديشو

القصة والرواية
خيارات
شذرات من ألحان مقديشو

كنت سارحا مع الخيال ونفض الغبار عن الأحلام التي هرمت وشاخت، وأتأمل على جبين المدينة التي تعاني من القهر والإذلال وتشويه ما

تبقى من معالمها بالهدم والبيع لجهات أجنبية وبثمن بخس!، وفي عز التفكير والتأمل أتبحر على مهل في دروب الليل الموحش، وتنتابني موجات من الإيماءت الخفية تخترق جيوب الليل وهي متدفقة من روابي مدينة تكاتفت السباع البشرية والأمراض السياسية بين مناطقها وأزقات أحيائها، وتضوع هوائها بأريج الدماء القانية التي تفور من أوردة الضحايا وشرايين الشعب وعروق الوطن وأجساد البسطاء وأعضاء الكادحين، والنفوس التي تزهق من أجسام من لا يعرف مهنة أخرى غير مهنة البارود والتعرض للأخطار بسبب هزيمة الأقدار ونسف بيوت المجاعة وهدم ممتلكات الفاقة ومصادرة أغراضها وأعراضها.

أتجول على الأحياء القديمة للعاصمة مقديشو، البيوت مهدمة وتشبه مصيدة للعابرين، والطرق مكسرة وكانها خنادق لمنافي الألم، والوجوه شاحبة، و رغم هول الدمار والأكوام المتراكمة في أحضان المرامرة والعنف مازالت الحياة نابضة بشدو الطفولة وشذرات من ألحان موسيقى بهيجة تتعالى من الأكشاش والراديو العتيق المتدلي عند فوانيس بائعات القات في شوارع مقديشو التي حفرتها الحروب وأثرتها السيول وغمرتها الصراعات العبثية الدآئرة فيها منذ عقدين من الزمن.

هنا خيوط وحكاية تشابكت وتتابعت فصول معاناتها ونضارتها!، وفي مقديشو الجمال لا ينتهي أبدأ!... تتكسر زرقة البحر فوق جناح الليل في جو خريفي مشوب برذاذ المطر ووقع ترانيم صوفية تصدح من المساجد العتيقة والزوايا القديمة والمزارات الموغلة في القدم لعاصمة تحتضن مئآت الأماكن الأثرية والمساجد التأريخية التي تؤرخ قدم الحضارة الإسلامية في شرق أفريقيا وأعتناق الشعوب الشرق الإفريقية إلى الدين الإسلامي منذ فجر التـأريخ وقبل أن يصل الإسلام مدنا كثيرة من الجزيرة العربية مهبط الوحي ومأوى الرسول الكريم صلى الله علية وسلم.

في مدينة مترعة الشحوب تحضر أوتار مَغُول وشذراتها العذبة في حنجرة التـأريخ، وأغاني الصومال وطبولها وسحرها تأتي من شرخ الليل فتصفى الوجدان وتمنحنا لحظات من النشوة والبهاء. وإذا أطلقت عنان روحك فوق مقديشو سترى طيورا صادحة فوق تمثال حواء تاكو الشامخ على كتف مقديشو، ووزيرا فاسدا بثياب الشرفاء، وعجوزة مسنة بريق عيونها تنسيك الألم، وجماعات من الطلاب يغدون للمدارس والمعاهد والجماعات، وطفلا شريدا يتوسد سهوب الغسق ويستيقظ بتخمة الصباح وضوء الفجر الساطع، وحكومة غير فعالة لايخاف من سطوتها أحد، وفوضى المدن المشحونة برآئحة الإنفجارات والإغتيالات السياسية، ونقاط التفتيش، ومتاريس الإسمنت، وصخب المدافع، وكثرة التشكيلات العسكرية، والضفعفاء الذين يتقلبون فوق حصير الألم وهم يستظلون السماء ويفترشون الغبراء.

الشعب يصارع مع أعباء الحياة ولا يبالي، والأغنياء يمارسون مباهج الحياة ويتذمرون كثرة الموز في الموائد ويعيشون حياة باذخة البريق، والفقراء يتكاثرون هندسيا و يمارسون مواجع الحياة، الفساد عاري بلا طلاء، والرشوة بادية بلا خفاء، والخوف ظاهر بلا عناء، والوزارات خاوية بلا حياة، والأقنعة شفافة تفضح أكثر مما تستر، ومخاوف أمنية وخروقات سياسية ومؤتمرات مصيرية ومباني شاهقة، ومدارس متنوعة ومظلات أهلية مختلفة وجامعات تنافس البيوت كثرة رغم ردآءت خدماتها، وإقتصاد بدأ ينعش حسب التقريرات الأممية ومغتربين يتحدثون عن سحر الأمكنة في بلاد الغرب وزيارات تأريخية صوب الأمكنة الخلابة والمتاحف العالمية والمناطق الأثرية رغم أنه في المهجر كان لاجئا يتقاضى أموالا من خزينة الدولة لأنه فقير معدم، وكان يختار الدول بسبب ميزاتها تجاه اللاجئين والمشردين الذين يبحثون عن الحياة في أوكار الموت ومخالب الردى .

تعبت وتحملت عوادي الزمن والخيال الجامح الذي يأخذني إلى مرافئ الحياة بعيدا عن الحرمان والألم وهمسات الدجى الحزينة، وبعد رشف شاي العتمة أصغى إلى الأخبار المتناقلة والنشرات الأخبارية التي تتحدث عن الجفاف وأخبار السيول ومدنا سوف تغمر، وقرى كاملة ستكون في عداد المفقودين، والمدن ستتحول إلى بحيرات، والشوارع إلى ترع وجداول يستخدم فيها الإنسان الزوارق السريعة لعبورها!، وفي عز الذهول والشفقة لهذا الشعب المغلوب أتساءل ما مصير أمة يقودها الأشباح ويسيسها من لم تصادفه الوطنية والعدل والشفقة في دروب عمره المديد.

يتعالي الأنين وتصدح الآهات في ليل مظلم وصامت، وتتلاطم على شواطئ مقديشو موجات الأيام القادمة الحاملة بالمفاجآءت مع صخور السنوات الصلدة التي تركت على جبينها بصمات واضحة من العنف والجنوح نحو الدمار والدموع، قادة بلا عقائد، وساسة تعاني من المراهقة السياسية وتغرق في الشبر الأول من المشكلة الصومالية، وشعب بلا طموح فقد تقته بالنفس فأصبح حملا وديعا لا يتكلم ولا يتألم ولا ينفض، ووطن حباه الله خيرات طافحة وطبيعة خلابة يختفى من الخارطة السياسية رويدا رويدا ودون أن يشعر به الأغبياء، وساسة تجيد الرقص على الرماد وتخدير العقول وفن التحكم بالبشر عبر تغذية صراعات الميول وشبق الشهوة وجنوح الغرائز الفاسدة في طبيعة الشخصية الصومالية التي فقدت القيم والأخلاق أثناء مسيرتهم الطويلة ليلا خانقا يقف على وجه الحياة.

لقد أبدعنا ألف طريقة وطريقة للهدم والقتل والتشريد والهجرات الخارجية والتزييف والربح السريع دون أن يدري أحد، لقد سرقنا الماضي وشوهنا الحاضر واستعدنا لإلحاق الضرر بالمستقبل الذي بدا يقرع الأبواب بطريقة غير تقليدية تزرع الخوف في قلوبنا، بعنا كل ممتلكات الدولة وأعطينا بعضها كهدايا لأشقائنا الأوروبيين وأصدقائنا الأمريكيين ودول الجوار الذين تعلو ضحكة صافية على تقاسيم وجوهنا برؤيتهم والتلذذ برونق حكايتهم وجميل أوامرهم وصرامة قرارهم وهيمنتهم على كل شئ في دولة كنا يوما من الأيام سادتها الحقيقيين.

بأفعالنا الشنيعة تحولت مقديشو من عروس المحيط إلى عجوز المحيط، جعلنا المحيط مزبلة عالمية للنفايات السامة ومكانا يضم مخلفات العالم ومخزنا إستراتيجيا للقمامة الشركات الكبيرة العابرة للقارات، لقد زرعنا في قلوب الشعب خلايا تلتهم الأشياء وتقتل الأفكار وتغتال النخوة وتدمر الوطنية وتنمي الحقد والحسد وتزرع الإنفصال والتشظي والتحزب والجهوية والمحسوبية البغيضة.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location