داوود أوغلو - رحلة الفكر والسياسة

القصة والرواية
خيارات
داوود أوغلو - رحلة الفكر والسياسة

داوود أوغلو - رحلة الفكر والسياسة .

جدلية لا تنتهي

---------------------------------

في عام 1959م ولد الدكتور داوود

أوغلو ، وتربى في الوسط الإسلامي ، وتلقي تعليما دينيا خالصا من هذا الوسط ، وتشبع الفكر الإسلامي السليم ، ودرس العلوم السياسية من جامعة البوسفور التركية والتي تدرس غالب المواد باللغة الإنجليزية ، ثم انتقل إلى المراحل العليا ، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراة ، وفي عام 1999م حصل على درجة البروفيسور في العلاقات الدولية ، وصار عضوا في هيئات التدريس لعدة جامعات عريقة ، ومنها الجامعة الإسلامية في ماليزيا .

أوغلو - مفكر ذو نكهة سياسية .

--------------------------

يعتبر الرجل مفكرا قديرا له قراءات عميقة في الجغرافيا السياسية ، بل وصفه البعض بأنه كسينجر الأتراك ، ولكن الرجل يختلف عن كسينجر في أمرين اثنين ، في المرجعية السياسية ، فكسنجر الامريكي يتحرك من منطلقات الولايات المتحدة في مشروعها العالمي ، بينما يتحرك أوغلو من منطلقات الدولة التركية الحديثة في سعيها الأخير حيث تخطط الخروج من دولة ( الطرف ) إلى دولة ( العمق ) ، ويختلف أوغلو عن كسينجر كذلك من حيث الرؤية ، فالأول ينطلق من روية إسلامية ، بينما الثاني ينطلق من رؤية رأسمالية ، ولكن الرجلين يتفقان في قوة العلم والطرح ، وفي المراوغة الدبلوماسية ، والوصول إلى الأهداف بشكل استراتيجي ، ويلاحظ أن كسينجر الأمريكي يستخدم الدهاء السياسي في تهوين حقوق الشعوب المغلوبة على أمرها ، بينما يستخدم أوغلو الدهاء السياسي في التوازن الدقيق بين قوة الأمر الواقع ، وقوة الحق الأصيل .

إن السيد أوغلو الذي تربى في أحضان المدرسة الأسلامية ، وتتلمذ على يد المؤسس الثاني للدولة السيد نجم الدين أربكان ، ورافق في مساره السياسي المؤسس للنهضة الحديثة السيد أوردوغان ، استطاع كذلك أن يتفاعل مع الفكر الغربي الحديث دراسة ونقدا ، وقرأ الفلسفة الغربية وخاصة فيما يتعلق بالسياسة والقيادة والإدارة ، وقام بدراسات كثيرة في مقارنة الفكر الغربي المعاصر بالفكر الإسلامي ، وقدم عصارة فكره للباحثين في العالم كله ، ولم يسلم من اللجوء والذهاب إلى الخارج جزءا من حياته ، ولكنه لم يستسلم لإرادة الطغاة ومحاربي الهوية كرفاقه في الدرب في تركيا ، فهو ابن لمدرسة إسلامية تجمع في مشروعها التجديد ومحافظة الهوية ، وتستوعب في مسيرتها التخطيط الإستراتيجي ، ومتطلبات اللحظة ، ولهذا فهم لا يستمعون اللغط من القول ، بل هم سائرون نحو الأهداف بخطى ثابتة ، وبروح إيجابية .

أوغلو - سياسي ذو نكهة فكرية .

---------------------------

ليس من السهولة بمكان أن يتحول المفكر الهادئ إلى سياسي بارع ، فالفكر يتطلب نوعا من الهدوء ، والعمل الجاد في داخل جدران المكتبات ، والعيش المستمر مع الكتب قراءة وبحثا ونقاشا ، بينما السياسة تتطلب من صاحبها نوعا من الجرأة ، والعمل الجاد في ساحات الوغى ، والعيش المستمر مع الانسان عداءا وصداقة ، والعمل الحاد في مزاوجة المصالح بالمبادئ ، إنهما عالمان مختلفان ، ولكنهما عند البعض من ضعاف النفوس متناقضان ، ويحاول القليل من المفكرين الجمع بينهما ، وان كان ذلك يحمل صعوبة بالغة ، فلم ينجح من الأوائل في ذلك إلا القليل ، ومن هؤلاء العلامة ابن خلدون رحمه الله ، ومن المعاصرين الغربيين كسينجر الذي صار وزيرا للخارجية في الولايات المتحدة ، وتحول فيما بعد إلى مهندسي القرار الأمريكي ، ومن المفكرين المسلمين المعاصرين الدكتور حسن الترابي ، والرئيس الإيراني الإصلاحي السيد خاتمي ، وقد احتل الأستاذ داوود أوغلو المكانة العالية في الترتيب ، فهو مفكر سياسي ، وسياسي مفكر ، ومن هنا نستطيع القول بأن أوغلو حين يمارس السياسة فلا يبتعد عن الفكر ، فهو الذي أصدر في لحظات حاسمة من تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر كتابه القيم ( العمق الإستراتيجي - موقع تركيا في العلاقات الدولية ) ، ويعتبر هذا الكتاب قراءة نوعية في العلاقات الدولية ، فليس الرجل أكاديميا بحتا ، يبحث الفكر من خلال ما هو سائد في الساحة الدولية ، بل ذهب إلى العمق ليدرس ظاهرة العلاقات الدولية المعاصرة ، وحاول أن ينتقد الظاهرة برؤية إسلامية معاصرة ، فهو من المدرسة الفكرية التي ظهرت في الساحة في نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيات من القرن العشرين المنصرم ، وهي التي تؤمن في مسارها الجمع بين علوم الوحي ، وعلوم العقل في بيئة إسلامية ذات منطلقات فكرية تأصيلية ، وهي التي آسسها المفكر الكبير الدكتور / إسماعيل راجي الفاروقي ، رائد مشروع إسلامية المعرفة ، وعلى إثرها قام المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، والجامعة الإسلامية في ماليزيا ، وهما مؤسستان تعملان في ميدان الإصلاح الفكري والمعرفي ، ويعتبر هذا الرجل أحد أبناء هذه المدرسة المتميزة التي تهتم في خطابها الفكري بلورة مفهوم ( إسلامية المعرفة ) ، والجمع بين القراءتين ( قراءة الوحي ، وقراءة الكون ) لأجل الخروج الآمن من أزمة العقل المسلم .

أوغلو - صاحب رؤية ، ورجل المواقف .

---- ----------- -------------

كتب الرجل كتبا عدة ، كما أصدر مقالات علمية محكمة في عدد من المجلات العلمية التي تصدر من جهات علمية متعددة ، ومن الكتب التي من خلالها نستطيع رصد معالم رؤية الرجل ، كتاباه ، العمق الإستراتيجي ، والعالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية ، وقبل أن أنتحدث عن معالم رؤيته ، أحب أن أقول كلمة عن منطلقاته الفكرية ، ذلك لأن الرجل كما أشرنا سابقا ابنا وفيا لمدرسة إسلامية ظهرت في داخل أروقة الصحوة في مرحلة متأخرة ، فمنطلقاته الفكرية هي :

- الوحي كمصدر معرفي ، وليس فقط كمصدر توجيهي وتربوي ، ومن هنا فالرجل يحاول أن يجد الحلول لجميع المشكلات الفكرية والسياسية من الوحي باعتباره مصدرا للمعرفة والعلم .

- الكون بشقيه الإنساني والمادي ( الآفاق والأنفس ) مصدر هام للمعرفة ، وهو يتكامل مع الوحي ، ولا يتناقض معه كما تدعي المدرسة الغربية ، فإن الكون من الله خلقا ، والوحي من الله نزولا وتشريعا ، ومن هنا يتكاملان وفق المدرسة الإسلامية التي تجاوزت خرافة التناقض .

- إصلاح الفكر الإسلامي من خلال قراءة نقدية تعلي شأن الوحي ، وتستفيد من التراث الإسلامي دون أن تذوب فيه ، كما تستفيد القراءة المعاصرة للعلوم ، ولكنها تكون على حذر من منطلقاته البعيدة عن روح الوحي الصحيح .

- إصلاح الفكر الحديث ، ومحاولة أسلمة العلوم الحديثة ، والدخول في العصر الحديث بروح إسلامية ، وبلغة العصر.

يعتبر أوغلو المؤسس للعلاقات الدولية في تركيا الحديث ، فإذا كان أوردوغان مؤسس النهضة لهذه الدولة التي تحولت من عالم تلقي المساعدات إلى دولة محورية هامة تنطلق لتكون جزءا من العالم الذي يصنع القرار الدولي من خلال مسروع سياسي متكامل ، فقد كان من بناة هذه الدولة السيد أوغلو صاحب الرؤية المتكاملة في الخارجية التركية ، فقد أبدع في مرحلة سابقة نظرية سياسية مفادها ( العلاقات الصفرية مع العالم ) ولكن النظرية لم تستقر في اروقة الخارجية التركية لأسباب خارجة ومرتبطة بالثورات العربية التي فاجأت الجميع بما لم يكن من المتوقع حصوله .

إن الرجل ليس عقيما في أفكاره كما هو شأن القيادات في العالم العربي ، وفي بعض الدول الأفريقية ، والسبب هو غياب الفكر عن الجميع ، وانعدام البيئات الداعمة للأبداع من حريات عامة ، ووجود الصحافة الحرة ، ولهذا لم يقف عند هذه النظرية التي فقدت بريقها بعد ظهور الربيع العربي في المنطقة ، ولكنه واصل عمله مستفيدا من رؤيته التي تنطلق من قواعد أربعة :

١- نظرية العمق الإستراتيجي المبنية على العمق التاريخي ، والعمق الجغرافي ، فالدولة التركية موجودة في موقع هام في الجيو الأستراتيجي ، كما أنها قادت العالم الإسلامي مرحلة هامة من تاريخه ، وشكلت عقبة كأداء أمام الغزو الأجنبي لهذا الجزء الهام من العالم .

٢- لقد ألغي من المشروع الحديث للدولة التركية نظرية الجسر ( bridje ) ، لأنها مثلت في لحظة ما قبل أوردوغان مشكلة سياسية واقتصادية لعذه الدولة العتيقة ، فهي كانت في نظر العرب جسرا للوصول إلى الغرب ، وفي نظر الغرب جسرا للوصول إلى الشرق الأوسط .

٣- نجح كذلك إلغاء نظرية الطرف ( frontière ) ، وهي كذلك تجعل هذه الدولة الهامة ذات القوة البشرية المدربة ، وذات العمق التاريخي والإرث العثماني ، وذات الموقع الحساس في الجغرافيا السياسية دولة حدودية للعالم الإسلامي ، وقد ازدادت الغربة حين تم علمنة الدولة والشعب بشكل قسري في العهود السابقة ، ومن هنا فهم الرجل تحت القيادة الواعية خطورة هذه النظرية ، فتم إلغاؤها من الخريطة الخارجية التركية .

٤- لقد أبدع الرجل في كتابه ( العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية ) رؤية جديدة للعلاقات الدولية ، وتجاوز محنة المسلم في تعامله مع الوافد الغربي ، وانتقد بشكل علمي وموضوعي نظرية ( نهاية التاريخ ) ، وتحدث بأسلوب راق عن أزمة الحضارة الغربية ، ووجد بأن ذلك يكمن في العجز المطلق عن تحقيق الحرية والأمن الوجودي ، وهما حسب نظر أوغلو هدف الإنسان الرئيسي عبر التاريخ .

في هذا الكتاب بشر الرجل في زمن التوحد الأمريكي قبل عقد ونصف من الآن أننا لسنا أمام حقبة تاريخية تتصف ب (نهاية التاريخ ) ، ولكننا أمام حقبة خطيرة ولكنها تبشر بظهور قوي جديدة في أوربا وآسيا تحاول منازعة أمريكا احتكارها للنظام العالمي الجديد ، ولهذا بشر في كتابه هذا ظهور مرحلة ثالثة في العلاقات الدولية ، وهي مرحلة سوف تتطلب بناء نظام لتوازن القوى في المجال الدولي .

وفي الكتاب نقاش علمي في دور الحركات الموسومة بالإحياء الإسلامي ، فهذه الحركات نجحت بشكل جيد الصمود أمام الفكر الغربي ، كما نجحت في تماسك الرؤية التي يقدمها للعالم ، ولكن هناك قصورا في جعل القيم حاكمة على الواقع ومؤسساته ، ومن هنا فالعالم الإسلامي يمر اليوم في منعطف تاريخي ، وسيتم تجاوزه حين يتحول الفكر الإسلامي من مربع التاريخ والجغرافيا إلى موقع الفعل .

أوردوغان - أوغلو ، خلاف فكري ، أم خلاف سياسي .

-------------- ----------- ----------------

في عقود ثلاثة كان أوردوغان وأوغلو يعملان معا في وسط دعوي ، وإسلامي ، وتربى كل واحد منهما على يد مؤسس النهضة الحديثة لتركيا ( نجم الدين أربكان ) ، وعملا معا في هذا الصف الدعوي ذي النكهة السياسية ، وحققا معا انتصارات رهيبة في داخل المشروع مع المؤسس الكبير أربكان ، وحين تم الإنفصال عن المؤسس انتقلا معا إلي مشروع العدالة والتنمية ، فمثل الأول الأب الروحي ، والفاعل الإستراتيجي للمشروع ، بينما الثاني مثل للمشروع المهندس التكتيكي الذي يحول المشروع إلي آليات ، فكان النجاح حليفا لهما ، كما جرى لهما من قبل ، ومن بعد ما يجري لأصحاب المشاريع الكبرى من امتحانات صعبة من الدخول في سجون الطغاة ، والعيش في المنفى حينا من الدهر ، ولكنهما ذهبا بدون رجعة إلى الوراء لتحقيق الأهداف المنشودة .

لا يوجد خلاف فكري - فيما أعلم - بين الرجلين ، ولكنهما يختلفان في بعض الملفات الهامة ، سواء كانت تلك الملفات محلية كالنظام الرئاسي وكيفية الانتقال إليه ، وهذا أمر متفق عليه ، ولكن الكيفية ومدى الزمن المطلوب هما مكمن الصراع بين الرجلين ، ويختلف الرجلان في إدارة الدولة ومؤسساتها ، ولوحظ كذلك نوعا من التهاون من قبل أوغلو في تصفية الكيان الموازي للدولة ، وهو أمر يعتبر بالنسبة للحزب حرب وجودي ومصيري ، فقد أصبح أوردوغان مؤسس الحزب رييس دولة ، وبالتالي فإن الدستور يقضي على الرئيس الإبتعاد من العمل الحزبي باعتباره أبا لجميع الأمة ، وهذا ما يطلبه أوغلو ، ولكن أوردوغان باعتباره رجل المشروع الطموح ، فإنه يريد تحقيق الهدف الأسمي ( النظام الرئاسي ) من خلال حزبه القوي ، ومن هنا يكون التداخل قويا ما بين الصلاحيات ، ويزداد الامر سوءا حين نعلم أن الدولة التركية خرجت من النظام البرلماني ، ولم تتحول بعد إلى نظام رئاسي قوي ، وهذا سبب هام في الخلاف السياسي ، ولا نستطيع أن نتجاوز بسهولة قوة الشخصية لاوردوغان ، وكذلك أسلوب اختيار أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب ، كما أن الرجلين يختلفان في تعاطي الملفات الإقليمية تكتيكا .

لقد اختلف الرجلان ، ولكن الملاحظ أنهما مثلا قمتين في العمل معا ، ومثلا قمتين في الخلاف ، فقد عرف أوغلو موقع أوردوغان في الدولة والحزب ، وترك السياسة حينا ، وربما يعود إلى الخلفية كمفكر يستشار ، بل وينتظر لحظة العودة من جديد ، فهو رجل هادئ ، ذو خلفية فكرية عميقة ، وليس باستطاعته الوقوف أمام طموح أوردوغان في هذه اللحظة.

رحل اوغلو عن القيادة ، ولكنه لم يرحل عن السياسة ، فهو ليس شخصا عاديا ، بل هو من عباقرة الأتراك ، ومن صناع القرار ، ومهندسي العلاقات الخارجية ، وستبقى بصماته في الخريطة السياسية ما بقيت الدولة التركية الحديثة ، ولكن الرجل يختلف عن أوردوغان ، لأن الثاني ذو طبيعة صدامية فيما يبدو ، بينما أوغلو يتصف بطبيعة تسامحية ، وعلى أية حال ، فقد قرر الرجلان بشكل ديمقراطي العمل معا بالمعروف ، والإفتراق بالحسنى ، إنها خطوة حضارية تستحق التشجيع والتقدير ، بل وتستدعي من القيادات العربية والإسلامية الذين يحسنون الكلام في القيم ، ويرسبون في امتحانات التطبيق .

في الصحافة الدولية ، كما في الصحافة التركية حديث طويل عن أوغلو الفيلسوف الذي رحل عن السلطة في لحظة كانت تركيا بحاجة إلى هذا العقل ، ولكن العجيب أن الصحافة العربية تناولت المسألة عن بعدها العربي ، وليس عن بعدها التركي ، فالقادة في العالم العربي يتخلصون من الساسة ، ولا يختلفون ، ومن هنا تم استدعاء الحالة العربية ليتم تنزيلها في الحالة التركية ، وهذا أمر لا يستقيم مع متطلبات المنهج العلمي في التناول لمثل هذه المسائل ، فقد ذهب الرجل عن بدون ضجيج ، ذلك لأن الوفرة في رجال الحزب تجعل الخلاف بسيطا ، فهناك العشرات من الأسماء رشحت لخلافة أوغلو ، ومن أهمها ، السيد نعمان قورتلموش ، نائب رئيس الوزراء ، والذي عمل مع السيد اربكان ، وصار فيما بعد رئيس حزب الفضيلة المنحل ، ورئيس حزب السعادة ، وانضم مؤخرا لقافلة تيار أوردوغان ، وهناك أسماء أخري كلها بوزن أوغلو في التنظير والتطبيق .

ذهب أوغلو عن العمل السياسي في مواقع هامة ، ولكنه بلا شك سينتقل إلى مواقع أهم ، فالكبار لا يتركون العمل ، وإنما يغيرون المواقع ، فلا يترك كما يقول العرب فراغا ، وإنما سيذهب لملء فراغ آخر فقد قيل في حقه ( كسينجر الأتراك ) فما زال كسينجر أمريكا موجودا بقوته الفكرية والتنظيرية في الساحة الدولية خادما لأمته ، وهكذا سيبقى أوغلو في كل المواقع خادما لشعبه التركي ، ولأمته المسلمة .

خرج من القيادة ليكون جنديا في الساحة ، وقال بالحرف الواحد : سأبقى مع رفيق الدرب أوردوغان ، ولن أقبل لأحد أن يقيم فتنة ما بيني وبين أوردوغان الذي عملت معه أكثر من (٢٥ ) عاما ، وسأبقى في الحزب منتقلا إلى الجندية ، إنها عبقرية الدعوة ، واخلاص الرجل ، ووضوح المنهج ، وسلامة الضمير ، والشعور بالمسؤولية ، وفي ذلك درس لمن يعيش في خارج أسوار تركيا من العرب والأفارقة ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .

وأخيرا هناك سؤال يطرح بنفسه ، ما مستقبل مشروع أوردوغان ؟ وهل ثمة خلاف تحت الطاولة سينفجر في وقت متأخر ؟ يحاول البعض تضخيم هذا الخلاف ، كما يري البعض تقليل شأنه ، ولكني أري أن الخلاف لم يأتِ في السطح إلا بعد ان فشلت جميع المجهودات في ذلك ، ومع معرفتي لخطورة الازمة التي أدت إلى الإنفجار ، ولكني أرى أن المشروع السياسي لحزب العدالة والتنمية يتجاوز الأزمة ، ولن يتاثر بها كثيرا ، والسبب يكمن في :

- وجود كتلة شعبية قوية ومصطفة وراء الرجل القوي في تركيا السيد رجب طيب أوردوغان .

- وجود تماسك قوي في النواة الصلبة التي تقود عملية التغيير في تركيا الحديثة ، ولا تقبل عملية انشقاق ، كما هي عصية على الإختراق .

- وجود وعي قوي في الصفوف الخلفية للحزب ، كما يلاحظ في داخل الحزب تزايدا في النضج السياسي ، ومعرفة لما يجري في المنطقة من صراعات صفرية .

- يتمتع القائد مزايا شخصية تجعله قائدا قويا تجتمع عليه كل القوى الاسلامية على قيادته ، وهذا يقوي فرص الوحدة والعمل معا تحت قيادته .

- لقد تحول العمل الإسلامي في هذا البلد من الشخصنة إلى المؤسسات ، ومن هنا فلا خوف للسياسة في هذا البلد على فقدان أحد ، كما لا يرتبط النجاح بوجود شخص مهما كانت عبقريته .

ستمضي المسيرة ، وسيمضي الرجلان ، وقد تعرفت أوغلو قبل عقدين من خلال كتبه ، ورأيته عبقريته الفكرية قبل أن أرى عبقريته التنظيمية والعملية ، وستبقى العبقرية في رحلتها الجدلية التي لا تنتهي ..

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location