لم الخوف من الحرية ؟!

كتب وإصدارات
خيارات
لم الخوف من الحرية ؟!

لقد كتب المفكر الكويتي الدكتور حاكم المطيري كتابا هاما في بابه ، وخطيرا جدا ( الحرية أو الطوفان ) ،

ذلك لأن الفكر الإسلامي لم يعط الأولوية القصوى لهذه الجزئية الخطيرة منذ زمن طويل ، فقد صمت الفكر الإسلامي عن ذلك لأسباب كثيرة ، ولم نعرف من يكتب عنها بقوة في داخل المدرسة الإسلامية بشتى تياراتها بعد عبد الرحمن الكواكبي في كتابه عن طبائع الإستبداد ، ومصارع الإستعباد ، وقد رأينا الشيخ الغزالي رحمه الله يكتب بحرقة عن الإستبداد وخطورته ، وعن الحرية والشورى وأهميتهما في الحياة الإسلامية في وسط القرن العشرين حتى وفاته .

كتب المفكر الكويتي كتابه ، وصار الكتاب الأكثر خطورة ، ذلك لأنه يحاول إيقاظ العقل المسلم النائم تحت فهم الدين المؤول ، وآثار الإستبداد السياسي ، ومن هنا صار الكتاب من أكثر الكتب التي تناولته العقول في القراءة والبحث ، ولهذا ازداد الخوف من الكتاب والكاتب .

الكتاب يحمل عنوانا ذَا مغزى ( الحرية والطوفان ) ، وقرأت في بداية أوبتي الفكرية والوجدانية كتابا آخر يحمل عنوانا آخر ( الله او الطوفان ) ، وكانت طبيعة المرحلة الماضية تحتم علينا أن نعرف هويتنا من خلال الهويات العالمية ، أما اليوم ، فقد اختار المفكر الكويتي الحرية عنوانا لكتابه المميز ، لأن أزمتنا السياسية تكمن في الإستبداد ، والبديل عن الحرية هو طوفان الشعب ، ولكن الغريب ان المفكر كتب كتابه قبل اندلاع ثورات الربيع العربي ، والأغرب من كل ذلك بأن الطواغيت في العالم الإسلامي ( الدولة العميقة ) او ( الدولة الموازية ) ، اختاروا الطوفان بعيدا عن الحرية .

في الكتاب قراءة سلفية قوية للواقع ، ولكن بنكهة معاصرة ، فهو يكتب بروح الباحث لا بروح الناقل ، وبلغة النقد الموضوعية ، لا بلغة الرضا عن ما كتبه السابقون ، وبمنهجية بحثية قوية ، لا يقدس الماضي ، ولا يدنس الحاضر ، وإنما يجعل النص والدين المنزل رائده في هذا البحث مستفيدا عن ما تحقق في العالم المعاصر من نهضة كبرى في مجال الحقوق والواجبات .

إن المؤلف يتمتع بفهم عميق للنصوص ، ودراية جادة للتراث ، ولديه قراءة موسوعية للواقع الجديد ، فيحاول بلا مجاملة ان يقدم لأمته رؤيته الجديدة التي توصل إليها ، ويعتقد أن الحياة تأبى التوقف عند محطة معينة ، فلا نهاية للتاريخ إلا يوم ان يأذن الله للحياة التوقف ، ولا تفسير نهائي للنصوص ، فما زال الإسلام بنصوصه يعطي الحلول ، ولكنه يحتاج إلى عقول ذكية ، تنطلق من الوحي ، وتفرق بين نصوصه ، فليست النصوص في درجة واحدة من حيث الثبوت والدلالة ، فنحتهد في تنزيل النص القطعي في الواقع بحكمة ، ونفهم الظني من خلال الفهم الأصولي ، ونجاهد في ربط النص الجزئي بالنصوص الكلية والمقاصد العامة للشريعة ، ونبحث من خلال النصوص والواقع المصالح العليا للأمة .

لا يعتبر هذا الكتاب فريد بابه ، فللباحث كتاب آخر يحمل العنوان ذاته ، ولكن الحرية في الكتاب الآخر ارتبطت بالإنسان ( تحرير الإنسان ) ، ونجد في الكتابين رؤية متقدمة جدا عن الحرية ، فإن ذهب الشيخ القرضاوي إلى أن الحرية تتقدم في الطلب على الشريعة ، ووافقه في ذلك جمع من علماء المقاصد في هذا العصر مثل الدكتور الريسوني ، فقد ذهب الدكتور حاكم المطيري إلى أن الحرية والتوحيد صنوان ، وليس كما يتوهم المتوهمون متناقضين ، لأن من يرى غير ذلك يجهل قيمة الحرية في الحياة ، وحقيقة التوحيد .

لقد رأيت العجب من بعض الناس الذين يخافون من الحرية ، ولا يخافون من الإستبداد والقهر ، وكأنهم خلقوا ليكونوا أعضاء أبديين في نادي العبودية ، لأجل الحرية قامت ثورات كبرى في هذا العالم ، ولأجل الحرية دخل الكبار السجون ، ولأجلها مات الكثير من أبناء الشعوب في كل مكان ، ولكن في قراءتنا الإسلامية وجدنا انه لأجل هذا الإنسان كانت دعوة الأنبياء ، فالنبوة في حقيقتها دعوة إلى التوحيد ، ومن خلال التوحيد يتحرر الإنسان من رق العبودية لغير الله ، ولهذا يصير المؤمن الموحد حرا من كل قيد مادي ومعنوي ، وكم كان فهم ربعي بن عامر عميقا حين أعلن أمام رستم المشروع المحمدي : جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها والدار الأخرة ، ومن هذا البرنامج بدأت حركة الإنسان نحو الإنعتاق والحريّة .

الحرية في فهم العقلاء عند حاكم المطيري تتمثل بما يلي :

- الحرية نقيض العبودية ، فكل من لم يكن عبدا مملوكا لغيره فهو حر يتمتع بالحرية ، وإن كانت تلك الحرية صورية وشكلية .

- الحرية لها معنى أعمق من هذه الصورة الشكلية ، فكل شعب لا يخضع لسيطرة أجنبي ، او لاحتلال قوة باغية ، فهو شعب حر .

- الحرية لها معنى كذلك إكثر عمقا مما مضى ، فكل شعب لا يخضع لسيطرة حاكم مطلق الصلاحيات ، ويختار حاكمه بلا إكراه ، ويصبح الحاكم بعدئذ ذَا سلطات مقيدة ، وقابل للعزل إن انحرف عن الجادة ، فهو شعب حر ، وأفراده يتمتعون بالحرية والمساواة أمام القانون .

- الحرية لها معنى أبعد من كل ذلك ، فهي التمتع بالحالة الأولى للإنسانية ( البراءة الأصلية ) ، كما يقول علماء الأصول ، فالإنسان الحر يتمتع بفعل ما هو مباح بقدر من المسؤولية .

فهل هذه الحرية كما فهمنا من كتاب المفكر الكويتي حاكم المطيري تحمل في طياتها ما يخالف الفكر الإسلامي ؟

ماذا تعني كلمة عمر رضي الله عنه الخالدة : متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟

لم الخوف من الحرية ؟ ولم الهروب من مقتضياتها ؟ ولم الإنزعاج من مطالبتها ؟ ولم التمسك بالإستبداد ؟ ولم نجعل البديل من الحرية الفوضى ؟

لماذا لا يركز الدعاة في خطابهم الكرامة الإنسانية ؟ فلا كرامة بلا حرية ، ولا حرية بلا أمن فكري وسياسي .

لم الخوف من حياة ليس بها خوف ؟ لماذا نهرب من المساواة أمام العدالة ؟ لم الخوف في أن يتساوى الحاكم مع المحكوم امام العدالة ؟

لم الخوف من محاسبة الحاكم ؟ لم الخوف من نقد الحاكم علنا ؟ لم الخوف من حياة تخلو من الظلم ، فلا سجين سياسي ، ولا تعذيب لأجل الفكر ، ويصبح الحاكم وكيلا عن المحكوم ؟

لم الخوف من جو يأمر الناس فيه المعروف علنا ، وينهون عن المنكر بلا خوف ؟ لم الخوف من الدين المنزل ؟ ولماذا ننزع كلنا نحو الدين المؤول او المبدل ؟

لماذا يكون حديث البعض مخيفا حين نتناول عن الحرية ؟ لماذا يكون العالم الإسلامي وحده المرشح للفوضي أو الإستبداد ؟ لماذا الخوف من الطريق الثالث ؟ الحرية طريق ثالث وبديل حضاري بين الفوضى والاستبداد ؟

لماذا يجعل البعض الحرية نقيض الإيمان ؟ فهل الإيمان يأتي عن طريق الإكراه والتلقي ؟

لم الخوف من الحرية ؟ أليست هبة الله لهذا الإنسان المستخلف ؟ فنحن علمنا من تاريخنا ، بأن الدولة المحمدية قامت على فكرة العقد ، ولا عقد بلا رضا ، ولا رضا بلا شورى ، ولا شورى بلا حرية ، ولا حرية بلا كرامة .

لم الخوف من الحرية ؟ ألم تكن الحرية منطلق النهضات ؟ فكل نهضة تحققت في الدنيا جاءت إثر ثورة عقلية ، فكانت اليقظة العقلية في أوربا تمهيدا للنهضة الكبرى فيها ، وراينا ثورة القلم والعقل والعلم في الإسلام ، كيف مهدت لقيام الحضارة الإسلامية .

لم الخوف من الحرية ؟ بل ولم الخوف من مؤسسات الديمقراطية والشورى ؟ ولماذا تبقى الأمة الإسلامية في القرن الواحد والعشرين تحت وصاية أفراد يعتقدون بأنهم خلقوا للحكم ؟ ولماذا لا تخرج الأمة من هذه الوصاية المستدامة ؟ وماذا نستفيد من قوله تعالى : وشاورهم في الأمر ؟ هل هي للتبرك ؟ ام هي للقراءة الموسمية ؟ أم هي للتباهي أمام الآخر ؟ وماذا نحن فاعلون أمام الطوفان البشري اليوم ، والذي يتحدث عن حتمية إنهاء الفرد الحاكم المطلق ؟ أليس من تراثنا قول عمر : من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاقطعوا عنقه ؟ بل أليس من تراثنا قوله : وأنه لا خلافة إلا عن مشورة ؟ ألم يصح عن علي قوله : إن بيعتي لا تكون إلا عن رضا المسلمين ؟

لم الخوف من الحرية ؟ وقد علمنا بالضرورة أنها تؤدي إلى تقليم أظافر الطغاة ، وتقييد سلطات الحكام ، وتسلب منهم أدوات الطغيان والقهر ، فكيف نحول حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) إلى مشروع سياسي للأمة ؟

لم الخوف من الحرية ؟ وهل بدونها يتحقق الإصلاح السياسي المنشود لشعوبنا ، والذي هو الآخر يقود إلى الإصلاح الإقتصادي ؟ وهل المعارضة السياسية نجاسة في المذهبية السياسية الإسلامية كما يشيع بعض المراهقين في الفكر الإسلامي ؟ ولماذ صارت المعارضة في الدول الغربية الوجه الأخر للحكم ؟ ولماذا أصبحت المعارضة اسلوبا سياسيا راقيا في الدول الناهضة وتصير لدينا أدوات هدم للدولة ؟

هل الحرية نعمة في العالم كله ؟ وهل هي نقمة في بلاد المسلمين فقط ؟ إنها لمفارقة عجيبة ، وتبقى مضحكة مبكية حتى حين .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location