الإبداع سر الحياة

الثقافة والفنون
خيارات
الإبداع سر الحياة

في قراءتي للفكر الإسلامي ، قديمه وحديثه ، وجدت الإبداع فيه قليلا ، ورأيت التقليد فيه غالبا ، فالناس متشابهون إلى حد الملل ،

لو فتحت كتابا في العقيدة ، ثم وجدت كتابا آخر كتب في مرحلة أخرى ، فلن تجد فيه جديدا ، ربما تلاحظ فروقا بسيطة في اللغة والأسلوب ، ولكن المحتوى يظل واحدا ، وهكذا تتكرر التجربة في الفقه والأصول وساير المعارف .

الإنسان لا يحب ان يعيش في نمط واحد ، فذاك عذاب أليم ، ولكن البعض الذين توقفت لديهم حاسية الإبداع يظنون السكون نعيما ، والتوقف راحة ، ومن هنا نجد في عالم المسلمين من عربه وعجمه سكونا يكاد يكون حالة عامة ، فأسأل لماذا الآخرون يبدعون ؟ ويبحثون في كل يوم الجديد ؟ بينما نحن نكرر أنفسنا ، فلا نتحرك من مواقعنا أبدا .

مبدعون ، ولكنهم أقلية .

-------------------

في تاريخ الفكر الإسلامي عظماء ، أبدعوا وأنتجوا ، ولكنهم كانوا ، وما زالوا أقلية ، فقد أبدع الفقيه المجدد ابن تيمية رحمه الله ، فخرج من مألوف العقيدة ، وانتقد منهج الأشاعرة والماتريدية ، وتجاوز عقدة المعتزلة ، ونقض أساليب المنطق ، وأعاد للفكر الاسلامي بهجته ، وللنص حضوره ، وللعقل مكانته ، ولكن صغار القوم جعلوه بدعيا لا مكانة له في قلوب الناس ، والسبب أن الرجل كان مبدعا في قراءته ، وموسوعيا في ثقافته ، وموضوعيا في طرحه .

لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الوحيد الذي أنتجته المدرسة الإبداعية في تاريخنا ، فقد جاء بعد عزلة روحية عميقة ، وقراءة تأملية خطيرة دامتا عقدا كاملا حجة الإسلام الغزالي رحمه الله ، والذي أبدع هو الآخر في فهم الظاهرة الدينية ، وقرا بعمق علل المتدينين ، وكتب كتابه ( إحياء علوم الدين ) ، ولكن الرجل كتب بأسلوبه الأخاذ كتابا آخر سماه ( المنقذ من الضلال ) ،ورأيت للرجل إبداعات هائلة في علم الأصول ، وله وقفات مع الفلسفة ، وهو من مدرسة مختلفة ، فإن كان ابن تيمية مبدعا في الدفاع عن الصفاء الإسلامي ، فقد كان الغزالي مبدعا في التوفيق بين الحكمة والشريعة ، وإن كان ابن تيمية يرى أن الدين حوى في طياته الحكمة والشريعة ، فلا حاجة للأمة في الترهات الفلسفية ، لأن الغبي في نظر ابن تيمية لا يستفيد من الفلسفة ، واللبيب يستغني عنها ، وهي إشارة ذكية من موقف ابن تيمية من الفلسفة .

لقد رأيت في الرجلين إبداعا لم أر مثله في الفكر ، وفي الفقه ، بل وفي الدفاع عن القيم ، ولكني وجدت كذلك خوفا من الإبداع ، وشكا من التجديد ، وهروبا نحو الماضي ، ولهذا رأينا في الأمة النمطية ، ومع هذا وجدت الحياة في الإبداع ، وتتجدد الحياة دائما مع هؤلاء المبدعين والمجددين .

في العصر الحديث وجدت إبداعا من رجلين خطيرين ، أولهما السيد أبي الحسن الندوي ، والشيخ حسن البنّا ، فالأول أبدع في أسلوب طرح الإسلام ، ويكفي كمثال أن تقرأ كتابه ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) ، وفي الكتاب قراءة عميقة للإسلام ، وفهم واسع للتاريخ البشري والإسلامي ، ونظرة عامة للمستقبل من خلال السنن الكونية والإجتماعية ، ولم أر في قراءتي كتابا يوازي هذا الكتاب في جمعه بين العاطفة والموضوعية ، وفي طرحه بين الحماس والرشاد ، فهو كتاب جاد في الطرح ، ومبدع في التأليف ، والثاني هو الشيخ حسن البنا الذي استطاع أن يؤلف في حياته جماعة تجمع بين طياتها الأصالة والمعاصرة ، وأخرج للناس لأول مرة في التاريخ تنظيما راقيا وصفه سيد قطب ( البنّا وعبقرية الإبداع ) ، فما زال الرجلان مبدعين ، ولكن صغار القوم في العالم اليوم يَرَوْن في الرجلين بدعة ظاهرة ، لأنهما فكرا بأسلوب مغاير ، وما زالت الأيام تؤكد لنا بأن الرجلين عملاقان في الفكر والدعوة .

الإبداع سر الحياة ، ولكن ماذا وراء الإبداع ؟

--------------------------------------

الإبداع سر ، وعبقرية ، فلا إبداع بدون فكر حر ، ولا وجود للفكر الحر بدون رواد فكريين ، و وراء كل إبداع تحقق في الوجود أسس ، فما هي تلك الأسس ؟

لقد تأملت في تاريخ الإبداع ، ورأيت المبدعين يتميزون ببعض المميزات ، فهم يعشقون العزلة حينا ، ويحبون مشاركة الحياة بالتميز حينا آخر ، فهم ليسوا أرقاما في الحياة ، وإنما هم إضافات نوعية ، فإذا كان غالب البشر يفكرون كيف يعيشون ؟ فهم يسألون أنفسهم لماذا يعيشون ؟ وتلاحظ الفرق بين المسألتين ، فالغالب من البشر يركزون على الكمية ، وهم ينظرون الحياة من زاوية النوع ، ولهذا وصف القرآن الأكثرية بألفاظ قاسية ، ووجد فقهاء التنمية البشرية أن الأقلية المبدعة تصنع الحياة من خلال الفكر المبدع ، والمعاناة المستمرة ، وإنها لرحلة شاقة في نظر الكثرة المرهقة ، ولكنها راحة في نظر الأقلية المبدعة .

المبدعون لديهم خيال واسع ، ينظرون إلى المستقبل من خلال حاستهم السادسة ، ويستخدمون التفكير المنهجي لإجل صناعة الفكر المستقل ، ويربطون المثال بالواقع ، فليسوا مثاليين وحالمين في سماء المثاليات ، كما أنهم ليسوا واقعيين يعيشون في الوحل الأبدي ، ويجاهدون أنفسهم للخروج من المألوف ، فهم ليسوا عُبَّاد اللحظة ، ولا عاشقي الواقع ، بل هم دائما يَرَوْن ما لا يرى غيرهم من أصحاب الكم ، ويدربون أنفسهم على التفكير الناقد ، فهم لا يكررون أنفسهم في القراءة ، وكم تتعجب حين ترى اليوم الساحة خاليا من الإبداع ، والسبب هو غياب التفكير الناقد ، وسيادة التفكير الجمعي ، فالكل يفكر بأسلوب واحد ، وكانهم نمط واحد لا شريك له ، والمبدعون في بحث جاد عن أفضل الوسائل للخروج من الأزمات ، ويبحثون عن أفضل الوسائل في الوصول إلى الحقائق الجديدة ، ولم لا ، وقد خلقهم رب من صفاته ( كل يوم هو في شأن ) ، فلماذا لا نكون في كل يوم شأن جديد ؟

الأمة في صراعها مع التخلف تحتاج إلي مبدعين من نوع آخر ، فنحن بحاجة إلى مبدعين في الفقه ، لا يكررون علينا القراءات الماضية ، فنحتاج إلى نظرات فقهية عن النظام السياسي ، فأزمتنا ليست في الطهارة فقط ،وإنما في القضايا الدستورية ، كما نحتاج إلى مبدعين في الفكر ، فليست أزمتنا في الاصالة ، وإنما في كيفية الخروج من التخلف ، والدخول في عالم الحداثة بأسلوبنا الخاص ، وتتأكد حاجتنا للإبداع الفني ، فليست مشكلتنا مع وجود الفن ، ولكن أزمتنا في غياب الفن الملتزم بقضايا الأمة ، فكم نحتاج إلى إبداع جديد في كل الميادين ، فأين المبدعون؟

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location