الاسحاق بين الانفصال والعودة للوحدة 3-5

تقارير و متابعات
خيارات
الاسحاق بين الانفصال والعودة للوحدة 3-5

كان الدكتور محمد ابراهيم عبدي, قد تناول في دراسة تحت عنوان "صومالي لاند بين الانفصال والعودة للوحدة" ونشرت

في مركز الجزيرة لدراسات بتاريخ 11مارس 2015.وقد مر من خلالها على محطات تاريخية وسياسية شهدها التاريخ الصومالي الحديث, وكان موفقا في تحليله ومراجعه في مواضع عديدة, في حين أخفق في قراءة وتحليل مواضع آخرى, فتوجب أن أشاركه بدوري الحديث والتعقيب على ما جاء في دراساته, لاسيما وأنه كان قد طلب بشكل عام النظر في ما جاء بدراسته, بالإضافة إلى أن قضية الوحدة وما يتصل بها تمثل شأن صومالي رئيسي, وفي هذا الجزء الثالث من التعقيب أستعرض قراءة فقراتين وردت في الدراسة المذكورة.

الصعوبات الداخلية أمام الانفصال

"لا يخلو مسار عملية الانفصال في صومالي لاند من صعوبات داخلية قبل الاعتراف الخارجي، وتتمثل تلك الصعوبات في: المكون العشائري المختلف حيال الانفصال؛ حيث يضم النسيج العشائري في الإقليم ثلاث مجموعات رئيسية، هي: عشائر الإسحاق ذات الأغلبية في الإقليم في الوسط، وبعض أفخاذ عشائر هرتي (ذات الأغلبية في بونت لاند) وعشائر سمروني في الغرب. وما عدا عشائر الإسحاق فإن المكونات الأخرى تعارض الانفصال، فبينما تصرِّح عشائر هرتي برغبتها في الانفصال عن الإقليم وقامت منذ فترة بتشكيل ولاية خاصة بها في إطار الوحدة الصومالية (ونتيجة لذلك تحدث مواجهات بين الجانبين في محافظتي سول وسناج) فإن عشائر سمروني لا تصرِّح بالرفض بنفس الدرجة لاعتبارات سياسية مرتبطة بالمرحلة، وليست درجة التحمس للانفصال بين عشائر الإسحاق نفسها واحدة، وإنما هي بدرجات متفاوتة".(1)

المسار التاريخي منذ تأسيس إدارة الانفصال وصولا إلى الراهن يؤكد أن قبائل الاسحاق كانت ولا زالت تقف مع خيار الانفصال بنفس الدرجة ودون وجود أي تفاوت في رؤية تجاه هذا المشروع السياسي والذي أجتمعت عليه والتفت حوله قبائل الاسحاق, وهي ترى في الوقوف منه على مسافة واحدة مؤيدة لهذا الخيار صمام أمان الحضور السياسي لها ووحدة تماسكها الداخلي وللحصول على مكاسب سياسية في مواجهة بقية الصوماليين, ودلائل ذلك معاقبة كل سياسي أو ناشط اسحاقي يرفض مشروع الانفصال في حال تواجده في مضارب الاسحاق.

ناهيك عن الرغبة الجامحة للجماعة القبلية على تدوير سلطة المشروع الانفصالي بين قبائلها الثلاثة الرئيسية هبريونيس,هبرأول,هبرجيعيلو, وتم تأكيد منحى ذلك عبر الحرب التي وقعت في عام 1994-1996 بين قبائل الجرحيجيس Jarxegiis وقبائل هبرأول Habar Awal,هبرجيعيلو Habar Jecelo,أراب Arab, والتي تم فيها أنهاء معارضة رئيس الإدارة السابق عبدالرحمن أحمد علي وأنصاره بالقوة المسلحة, رغم أن هناك من يردد أن تفسير ذلك الخلاف القبلي المسلح كان منطلقا من اختلاف وجهات النظر السياسية بين تياري الحركة الوطنية الصومالية S.N.M والذي مثلته الجانب الأول من القبائل المذكورة وتيار مرحلة الدولة كما يوصفونه والذي مثله الجانب الثاني من القبائل المشار إليها.

فالقادة عبدالرحمن أحمد علي ومحمد ابراهيم عيجال واللذان تقدما طرفي ذلك الصراع حرص كلاهما على الإستحواذ على المشروع انطلاقا من الحسابات السياسية والقبلية, وتماهت مع كلاهما قوى سياسية وقبلية وجدت مصلحتها في مواقفهم, كما يردد البعض في أن قيادات الحركة الوطنية الصومالية وقفت منقسمة ما بين الاتجاهين المتصارعين وذلك كإشارة لمنح الصراع بعد سياسي حصري, إلى أن هذا التفسير ليس بواقعي, كون قيادات الهبرجيعيلو مثلا في الحركة ممن وقفوا مع محمد ابراهيم عيجال, قاموا بذلك الموقف انطلاقا من بعد قبلي اجتماعي نظرا لوجود التنافس بين نخبتي السياسة لقبيلتي الهبريونيس والهبرجيعيلو, حتى في مرحلة المعارضة السياسية لنظام الصومالي السابق, وهو ما أدى إلى موقف نخبة قبيلة هبرجيعيلو لدعم محمد ابراهيم عيجال في حربه مع خصومه الذين قادهم عبدالرحمن أحمد علي, وذلك على خلفية الصراع المسلح الذي كان حدث في مدينة برعو عام 1992 وحرب مدينتي بربرة وبرعو عامي 1992-1993 وهرجيسا في عام 1994.

كما أن البعد الاجتماعي الجهوي كان له دوره في ذلك الصراع, ودلالاته الموقف المشترك والذي جمع القبائل التي التفت حول موقف عيجال, فالنظرة القبلية والجهوية كانتا ذات حضور في مرحلة معارضة الحركة الوطنية الصومالية ذاتها, ومن إشاراتها السياسية والعسكرية كان إحداث عملية توازن بين نخب الاسحاق في المجالس القيادية للحركة والصراع السياسي والمسلح والذي كاد أن ينفجر في ظل مؤتمر الحركة في عام 1988 والذي على إثره تم تنحية أحمد محمود سيلانيو(هبرجيعيلو) من رئاسة الحركة وحلول عبدالرحمن أحمد علي(هبريونيس) في منصبه.

بالإضافة إلى تقسيم قوات الحركة إلى لوائين الغربي والشرقي واللذان كان يرتكزان على قواعدهم القبلية والجهوية المناطقية, في حين كانت ولازالت محافظتي الشمال الغربي وتوجظير عند المقارنة بينهما اجتماعيا, قد شهدتا تاريخيا الحدة العصبية القبلية والرغبة الدائمة في ايجاد التوازنات فيما بين مكوناتها الاجتماعية.وبصدد الإشارة إلى الصراع بين قبائل الاسحاق ونخبها في الفترة 1992-1996 فهذا لا ينفي وجود العامل السياسي والمثمتل في رغبة النخبة السياسية والمثقفة من قبائل الاسحاق والتي لم تكن بمنظمة في اطار الحركة الوطنية الصومالية سابقا, السعي لدخول المسرح السياسي لمشروع الانفصال والذي كانت قيادته حينها حكرا على قيادات الحركة وأطرها السياسية والعسكرية, وهو ما أراد محمد ابراهيم عيجال إعادة كتابة مساره مجددا وذلك عبر مؤتمر مدينة بورما 1993 والذي أتاح له ترأس مشروع الانفصال.

"وكان واضحًا أن غياب أحد طرفي الوحدة في الجمهورية، ممثلًا في الحكومة المركزية خلال العقدين الماضيين، وانشغال الجنوب بالصراعات، مثَّل عاملًا آخر أسهم في قبول بعض تلك العشائر الانفصال ظاهريًّا وتأجيل مطالبها نتيجة للواقع الذي فرضته الأغلبية في ظل أوضاع معينة مواتية لها، وتنتظر تلك المكونات تحسن الأوضاع في مقديشو، وهو ما يتأكد بمرور الزمن حيث تتجه الأوضاع في الجنوب نحو التحسن تدريجيًّا مما سيشجع تلك الأطراف على الإفصاح عن رغبتها المكبوته في الوحدة والارتباط بمقديشو".(2)

وهنا يؤكد الدكتور محمد ابراهيم عبدي, على غياب أحد طرفي الوحدة في الجمهورية(ممثلا في الحكومة المركزية) وانشغال الجنوب بالصراعات, مثل عاملا آخر أسهم في قبول..........

وعند العودة إلى طرفي وحدة الجمهورية الصومالية في عام 1960 كانا مجتمع صومالي نال استقلاله من بريطانيا وايطاليا, ولم تكن تلك الوحدة بين شمال الصومال وجهة سياسية صومالية يمكن أن يطلق عليها بالحكومة المركزية, لاسيما وأن ممثلي الإقليمين الصوماليين المتحررين من الاستعمار هما من شكلاى الحكومة المركزية الصومالية في الفترة 1960-1991, وبتالي فإن الحكومة المركزية المنهارة كانت تمثل بجسد سياسي تم تشكيله من قبل الأطر الصومالية على الصعيد القومي وليس شمال وجنوب فحسب, وسياق تفسير الدكتور محمد ابراهيم عبدي للمسألة يرى في أن الحكومة المركزية المنهارة كانت الطرف الممثل لجنوب الصومال وبسقوطها فإن إدارة الانفصال أصبحت كممثل وشاغرة للفراغ السياسي على صعيد الشمال,.

في حين أن إنهيار الدولة الصومالية في عام 1991 كان سقوط عام للشرعية السياسية والجهات السيادية فيها, وبذلك فإن كل المشاريع السياسية التي تلت مرحلة الانهيار تمثل بمشاريع جهوية وتتبناها قوى سياسية وبما في ذلك كل الحكومات الإنتقالية الهشة وبما في ذلك الإدارة الاتحادية النظرية الراهنة والغير قادرة على بسط سيادتها على تراب جمهورية الصومال الفيدرالية, وفي السياق الماضي للإشارة إلى غياب الحكومة المركزية فيمكن إضافة أن شمال الصومال ذاته لا يشكل بجسد إداري عضوي ومتوحد على مشروع الانفصال, وهو ما يؤكد أن حالة الثجزئة السياسية هي حالة عامة وسائدة في عموم الصومال ولا يمكن حصرها في مستوى ما.

والقول بانشغال الجنوب بالصراعات..... يقابله واقع انشغال الشمال بالصراعات والتي كُنت قد أشرت إليها في الجزء الثالث من مقال "الاسحاق بين الانفصال والعودة للوحدة" فبعد إنهيار الدولة الصومالية انشغل عموم الصومال في صراعاته والتي لا زالت قائمة, والصراعات السياسية والمسلحة الماثلة في شمال الصومال لم تحد ودونها غياب الدولة الصومالية أو الحكومات الانتقالية وصولا إلى الاطار النظري الاتحادي الحالي والمبهم الملامح وضعف فعاليته في ظل الانقسامات الراهنة على مستوى الصومال, وبغياب الدولة فإن الصراع الصومالي سيستمر أكان في الشمال وأقصى الجنوب معا, مع الإشارة إلى أن العوامل المحفزة لصراع في المنطقة المشار لها تتركز في عوامل ثلاثة هي:

1- الصراع على الموارد الاقتصادية الحاضرة بقوة في أقصى جنوب الصومال مقارنتا مع شماله.

2- وجود قوى الاسلام السياسي الأكثر تسلحا في هذه المنطقة مقارنة مع عموم الصومال الطبيعية.

3- حضور التدخلات الخارجية بقوة في أقصى جنوب الصومال بالمقارنة مع الشمال.

4- وجود فعالية إعلامية كبيرة داخلية وخارجية ركزت على صراعات أقصى الصومال في مقابل عدم التركيز على صراعات الشمال والوسط.

كل ذلك لعب أدوارا في حدة الصراع المستمر في أقصى مناطق جنوب الصومال, مع عدم إغفال أن وقود الصراعات في هذه المنطقة من الصومال, تشارك فيها قوى سياسية في شمال وغرب الصومال(الأوجادين) وبمعنى يمكن القول معه أن صراعات أقصى جنوب الصومال هي بإمتياز صراعات على مستوى الاجتماعي والنخبوي القومي, أكثر مما تمثل بصراعات قبلية بحتة ومقصورة على أبناء مناطق أقصى جنوب الصومال, فالكثير من أبناء الشمال وغرب الصومال شاركوا في حروب مدن كسمايو ومقديشو وغيرها انطلاقا من دوافع قبلية, بينما شارك أمثالهم في حروب كسمايو,مقديشو وغيرها على خلفيات عقائدية وسياسية تعود إلى حسابات الاسلام السياسي في الصومال.

هوامش:

1- صومالي لاند بين الانفصال والوحدة,د.محمد ابراهيم عبدي,مركز الجزيرة لدراسات,11مارس2015.

2- نفس المصدر,نفس الكاتب.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة