بونتلاند.. عراقة الماضي وأصالة الحاضر

الشعر والخواطر
بونتلاند.. عراقة الماضي وأصالة الحاضر

بغنائية فريدة كان الشوق يحدوني والذكريات الأيقونية ترسلني إلى أطياف الجمال وأنا أحلق فوق سماء مدينة جرووي التي إستقبلتنا بدفء

إيقاعها المعهود، بسبب الجبال المحيطة بجروي، والأجواء الصحراوية، والرياح الصيفية العاتية، لم يكن الهبوط سهلا، بل إهتزت الطائرة وتراقصت وكأنها سمراء إفريقية تطرب وتشدو على وقع أغنية Mory Kante Yeke Yeke في ليل أكْراوي حمراء.

كانت القلوب تحتضنني قبل البيوت، وندى الشجن يتراقص في مخيلتي وأنا شارد مع جمال التراث وروعة المدن، بريق عيون المسنين، وأحاديث الأصدقاء التي لا تتوقف، والقمر الحالم في زرقة السماء، وأجواء السمر على أعتاب الأضواء القميئة كفانوس مهترئة في زاوية نائية لقرية صومالية موغلة بالعراقة، والشوارع المضئية، والطرقات المبللة بالذكريات والشجن، وأجواء الأعياد تعاود حنين الماضي وتذيب كل الأحاسيس والمشاعر، وتجعل تلك المدن نقطة مضئية في وسط عتمة المدن الصومالية الغارقة بالحروب العبثية والخوف الدآئم من القادم المجهول .

من جروي ذهبت إلى الشمال الجغرافي حيث تقع بشموخ مدينة بوصاصو الجميلة بتنوع أهلها وفسيفسائها السكاني لكونها حاضنة للشعب الصومالي في شتى مسمياته وكياناته وقبائله، أوبالأحرى هي الأم الروؤم التي تجمع في أحضانها الشعب الصومالي الجميل كما تقول صديقتي مريم عالية التي التقينا على عجل في مقهى لا سقف لها سوى الأشجار، والهمسات الرومانسية للمحبين، والساحات المفتوحة للطبيعة والمشاعر الدافقة، بعد يوم طويل من العمل وحر الصيف هنا.

كنت أتذكر وأنا أسير على الطريق الطويل الذي يربط جرووي عاصمة بونتلاند إلى مدينة بوصاصو القلب النابض ولؤلؤة الشاطئ حكايات الأيام الماضية وسفري الأول إلى المدينة الناعسة فوق الرمال البيضاء، كانت النسائم تلامس وجوهنا فتمنحنا ومضات من السعادة الغامرة، وأنسا يأتي من جيوب الذاكرة ومن الأحاسيس العتيقة، كان سفرا ممتعا إلى حد البهاء، وكنت أشعر بمسحة شوق عارمة وأنا أطالع عبر صفحة الأرض الحياة الصومالية الأصيلة التي يمارسها البدو في مرابعهم، هنا أغاني الرعاة تملؤ الأذان نشوة وطربا، والبيوت الصومالية القديمة باقية بلونها الشاحب ومعمارها القديم، وهناك أطلال لقرى أندثرت بعد أن كانت مزدهرة.

على وقع الحنين مضينا نصعد ذرى الجبال ونتسلق على هامات الروابي وصدي المقولة الشهيرة للقدامى : الأمكنة بناسها تتردد على مسامعي لطيب الشعب وسماحته، الإبتسامة الساحرة المطبوعة على الوجوه السمراء، والطمأنينة الموسومة على ملامحهم رغم الإنفلات الأمني والحالة الحرجة التي تمرها الصومال كانت ترسم في مخيلتي صورة بانورامية تسر العين وتفرح الوجدان.

نهر الأدب والشعر ومجالس الأحاديث لا تتوقف أبدا، والضحكات المجلجلة تهز جنبات السيارة، الكل شارد مع حكاية جميلة لكهل يتفنن في السرد وتلحين الحكاوي، أو مبهر بتقاسيم سيدة في أعتاب الخريف تنظر إلى الرجل بعيون رمادية أرهقتها السنون وأهداب مثقلة بطول العمر وتقلبات الأحوال، أو فتاة في مقتبل العمر تقول بسخرية مؤلمة للكهل: لا أريد أن أتربع على شرفات الكآبة وجسمي الذي أكله الحنين لا يقوى سماع هكذا أخبار تتكأ على الماضي الفخيم لذا توقف ولا ترهقني أرجوك.

كنت أود أن أتبحر مع الكهل القاص الذي يحدثنا عن كل شئ، عن الجبال والمعالم، عن التأريخ والجغرافيا، عن الشعب والقبائل، عن التراث والتقاليد، عن الشعر وجماله والسلاسل الشعرية المعروفة في الأدب الصومالي، عن النثر والأحاديث الشائقة، عن الأهازيج والأغاني والألحان، عن الحروب والصراعات والأيام المشهورة، عن المستعمر وأيامه وما مارسه ضد الشعب الأعزل في القرى والمدن وفي بطون هذه الأودية وذرى هذا الجبال، عن الدين والأوراد والتصوف، عن الحاضر والمستقبل، عن المرأة والسياسة وكل شئ له علاقة بالصومال، كان تحفة نادرة ووعاء ملئيا بالأخبار وأحداث الماضي.

على جنبات الطريق المعبد كانت الجبال الرسوبية والهضاب الرملية تحيط بنا كإحاطة السور بالمعصم، لم نسمع سوى هدير الطبيعة وسكون الحياة في الأراضي الشاسعة بين المدينتين، كنت أستمتع على هذه المناظر الخلابة والأجواء الصافية، وأتمعن على صفحات هذه الجبال المختلفة، لأتعرف عن تفاصيلها ومكوناتها الجيولوجية ومظاهرها الطبيعية لعشقي السرمدي للجيولوجيا والمعادن المكونة للصخور.

كنت ألمح من خلال النافذة قطيع من الإبل يمرح ويسرح في عمق سهول نغال التأريخية، وأغنام ترجع من المراعى قبل الغروب، وبدوي يحث الخطى نحو بيته قبل أن تكسو الأرض ثوب الدجى، ولست أدري لماذا السمرة الصومالية الجذابة والسمراوات الأنيقات كعادتهن، والقرى المتناثرة على طول الطريق، والثروة الحيوانية الصومالية ترسل ذبذبات من الحبور وتبعث الشجو في نفسي، ولكن ثمة أشياء يفرضها الواقع علينا منها العشق السرمدي للتربة التي ننتمي إليها، والجمال الذي يغطى على الجميع.

أردت أن أشتري لبن الإبل الذي هو شرابي المفضل في كل مكان وحين من فتاة فرعاء تنمقت يد الجمال عليها، ملامح صومالية أصيلة، وحياء بدوي موغل في تراثنا التي نخاف أن تندثر بسبب غزو الثقافات الوافدة عبر القارات، وضعت يدها على فهمها وهي تقهر إبتسامة سحرية كادت أن تنسيني كل شئ، لأن في حضرة السمراوات وفي محراب الجمال الحياد لا يكون ممكنا مهما حاولت التغابي والتجاهل.

لم أرى على طول الطريق وفي داخل المدن وفي قعر الأرياف وبطون البوادي أي خوف أو رهبة من المجهول القادم في عيون الناس، بل كانت الحالة الأمنية مستتبة إلى أبعد الحدود، نقاط تفتيش للشرطة والجيش الذي لايطمع أبدا بما في أيدي المواطنين، ورأيت هناك شعبا يعشق الحياة، ويقدس الوجود، ويحب الجمال، ويتفاني من أجل إستعادة هيبته وحفظ أمنه من أيدي العابثين ومن الحركات الإجرامية التي جعلت إزهاق الأرواح وقتل الأبرياء مفتاحا لدخول جنتهم المزعومة!.

الطرق الترابية الممتدة نحو الشروق، وعبق أشجار اللبان، والجبال المحيطة على الطرق والمدن الوادعة على ناصيتها تختزل التأريخ وتخفظ الماضي العريق، وأصبحت الأشجار، والأحجار، والمدن والقرى بمرور الزمن أماكن تحوى التأريخ الباذخ للمنطقة، ومعالم رئيسة تختزن الجغرافيا و الحقب التي مرت عليها المنطقة.

عشت المعني الحقيقي للفنتازيا وأنا في صهوة سيارة مسرعة ذابت في الطبيعة الجبلية الوعرة، لم يخلو الجو من البسطاء الذين ينتظرون الغد الأجمل في حياتهم، وعيون الكادحين الذين تختنقهم العبرات ويكبلهم الواقع المزري ويؤلمها العوز، وفي داخل المقاهي العتيقة التي تغفو كمسن أتعبه السير كل شئ كان يعلوه الغبار ، والأجواء الصيفية ساخنة تركت بصماتها الواضحة على محتواها.

كانت الأمنيات تتسع وترمومتر السعادة يرتفع كلما أقتربت إلى بوصاصو المدينة التي عشتها قبل سبعة سنوات وأنا في مقتبل عمري وفي خريف سنوات المراهقة، لم تستطع الذاكرة أن تشطب تفاصيل حياتها ورونق لحظات البهاء التي كنت أعيش مع أصدقاء لم أكن أشعر بينهم سوى المحبة المتدفقة من ينابيع المشاعر بعد أن جمعتنا الحياة في تلك الحقبة الزمنية الغالية في حياة كل شخص.

وعلى أعتاب بوصاصو تتداخل الخيوط، وتتزاحم الذكريات، ويتشابك الماضي مع الحاضر، الشوارع العتيقة والأزقات الترابية، والمباني التأريخية التي تحمل أصداء السنين، تشكل لافتات للجمال وعناوينا لتاريخ بدأت منذ عدة قرون بعد أن سكن فيها خليط من القبائل الصومالية والعربية التي أطلقوا عليها: (بندر قاسم) ذاك الإسم الذي إحتفظت به المدينة حتى يومنا هذا وإن علاه غبار النسيان وانطفأ بريقه مقارنة للأحقاب الماضية.

كانت المدينة تنبض بالحياة والتجارة كعادتها، أسواق مكتظة بالمار والسكان، زحمة في الأزقات الضيقة للأسواق القديمة، صخب الأطفال وصوت الأبواق تصدح في كل مكان، الكل مشغول بشراء إحتياجات العيد التي تدق على الأبواب رغم جبروت السوق والتكاليف الباهظة للملابس في ظل حالة إقتصادية خانقه يمر بها الوطن من جنوبه إلى شماله.

جموع تآئهة في أودية الرزق والعمل اليومي تحت شمس الصيف الحارقة هنا في بوصاصو، وكادحون يطلبون العيش بعرق جبينهم وربما بصحتهم أيضا، الحالة الأمنية والتقلبات السياسية في الوطن اثّرا جبينة عروس البحر وتركا بصمات واضحة على جبينها الطافح جمالا والفة، ورغم ذالك مازالت المدينة تحتفظ بزخمها السكاني ونشاطها الإقتصادي حتى أصبحت من المدن الرائدة في الصومال إقتصاديا وسكانيا.

وعلى وقع الرحيل الذي يداهمنا دآئما جلست قبالة البحر فهالني مناظر المياه الزرقاء والرمال الشاطئية الرائعة، أستمتعت على سيمفونية المحيط وألحانها والأجواء السحرية والزوارق التي تتراقص على وقع الأمواج وأشعة الغروب الوردية المتداخلة مع النسيم ليشكلا على صفحة البحر صورة بانورامية أخاذة تعيدني إلى عراقة المدينة وأصالة تراثها المترعة بأريج الماضي وعبق الحاضر.

وفي بونتلاند سعدت جدا بلقاء أحبة طالما حملنا حبهم وشوقهم في حدقات عيوننا وفي نبضات قلوبنا، أصدقاء أصبحوا نخبة المجتمع وممن وهبوا حياتهم لاسعاد البشرية وتحريك عجلة التنمية الی الامام بعد أن رجعوا الی الصومال الحبيبة، كانت الضحكات وأحاديث الليلية لا ينتهي برقفة الطيبين وممن جعلوا إقامتي في بونتلاند رحلة ممتعة وساعات للذكرى بكل المقاييس.

في جرووي إلتقيت بأجمل وألطف الأصدقاء، محمد طاهر عينسني شهامة حاضرة في كل حين جمع الحس الفكاهي والصداقة الحقيقية، لا يشعر المرأ في حضرته سوى الإلفة ونبض الحياة بأبهى صورها، صديقنا يملك موهبة نادرة في إلتقاط الصور وإبراز الوجه المشرق لصومالنا المغيب إعلاميا، أما ليبان فكان رمانة من تعرفت عنهم عن كثب، دمث الأخلاق متفانيا يملك إدراكا أكثر من عمره، ولا أنسى صديق الطفولة وميادين الحداثة عبدالمطلب أحمد سعيد، وصديقي في الغربة وداخلية المودودي فارح بوص، والأنيق الطيب زكي ديريه من شرب مياه النيل صنوا هناك في شمالي الوادي عندما كنا نروي مياهه في جنوبه. أما الأميرات الضامرات جمالا وطهراً الأستاذة خضرة محمد يوسف، والدكتورة مريم عالية رسما بريشة السعادة خارطة الود والإخاء السرمدي.

وفي بوصاصو كان لنا لقاء تاريخيا بامتياز مع أصدقاء القدامى الاستاذ الكبير عبدالله فارح مري، والمهندس عبدالرحمن الذاكر، وزميل الدراسة عبدي أحمد عبدي، الاصدقاء جمعتنا الحياة في أرض الوطن، بعد ان كنا أصدقاء في رحلات العلم وسراديب المنافي وسديم الغربة هناك علی ضفاف النيل وأرض السودان التي تفيض خيرا وعلما. حقيقة كانت فرصة كبيرة أن ألتقي قامات علمية وفكرية وأدبية وقيادات شابة همهم الوحيد المضي قدما نحو التطور ومواكبة العالم وتقديم الوجوه المشرقة لأمتنا الصومالية إلى العالم الخارجي.

رأيت رغبة عارمة وقوة وإراردة حقيقية في عيون هؤلاء الشباب المثقفين، يتذمرون عن الوضع المزري للوطن ويتألمون بسبب الكوارث الطبيعية التي حلت بأمتنا والحروب العبثية التي سببت التشريد والقتل وإهدار الكرامة لأمتنا، كوكبة نيرة تحمل همّ الوطن وهموم المواطن، رأيت شبابا يحاول قدر المستطاع رسم البسمة علی جبين الشعب رغم قلة اليد وصعوبة الموقف.

وفي ختام الجلسات لم يخلو الحديث عن شجو الدراسة وزرآیب الذكريات الغاربة كشمس بوصاصو التي إكتست رداء المغيب عندما كنا نطرق أبواب الماضي الفخيم بكل الوانه، أصدقائي الأوفياء أمام إستقبالكم الحار تكل قريحتي ويعجز قلمي أن يعبر عما يجيش في صدري من المحبة والتعلق، غمرتموني بكرمكم الحاتمي وأتحفتموني بفيض ماشاعركم وجعلتم سفري تحفة بانورامية حالمة علی حضن الصداقة وكتف الاخوية الصادقة، أنتم أصحابي وأهلي ومعشري.

شكرا لكم والی لقاء قريب سيجمعنا في جنوب الوطن في كسمايو الحبيبة إن شاء الله.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location