رمضان ونظرة إلى المقاصد ، رؤية تغييرية ( ٣ )

شؤون اجتماعية
خيارات
رمضان ونظرة إلى المقاصد ، رؤية تغييرية ( ٣ )

١- هناك من يتعامل مع أحوال الصوم وأحكامه من حيث

الشكل ، فقد سمع من أهل العلم أحكامه الظاهرة من الواجبات والمستحبات والممنوعات ، فهو يحاول بقدر المستطاع أن يبتعد من المفطرات ، وأن يفعل الأوامر ، وخاصة فيما يتعلق بشهوتي البطن والفرج ، وهما فعلا ، الشهوتان المدمرتان للحضارات البشرية منذ فجر التاريخ ، وإلي يومنا هذا ، وهذه خطوة أولية ، وليست هي المطلوبة لذاتها من الصيام ، فقد يكون الترك وسيلة لهدف أعلي ، ومقصد أسمي ، ولكن العامة من المسلمين ما زلوا يتشبثون بهذا النوع من الصيام .

٢- قرأت يوما قريبا التقرير الدولي لمنظمة الشفافية ، وهي تنشر كل سنة ، ومنذ العام ١٩٩٥ م تقريرهاالدولي ، والعجيب أن الدول الخمسين الأولي ، الأقل فسادا هي دول غير منتمية للمنظومة الإسلامية ، والدول الأكثر فسادا تحتلها دوما دول تنتمي للحظيرة الإسلامية ، ولكن بحسن الحظ دخلت مؤخرا دولتي قطر والإمارات العربية المتحدة في الدول المحتلة في الصدارة ، فقد احتلت قطر والإمارات علي المرتبة ( ٢٧) ،وهذا التقرير هو الذي صدر في عام ٢٠١٢م ، ولكن الطامة الكبري تكمن في أن الصومال كانت هي الدولة الأخيرة في التصنيف ، وكانت من قبلها بقليل أفغانستان المسلمة ، بينما احتلت قبلها بقليل دولة السودان المسلمة ، ولم تكن العراق أحسن حالا ، فقد أخذت مكانتها في الذيل ، فالقائمة تطول ، فهناك سوريا ولبنان وليبيا واليمن ومصر التي احتلت في المرتبة ( ١١٨ ) ، وهكذا نجد الفساد وقد تحول في العالم الإسلامي عملية ممنهجة ومتجذرة في النسيج السياسي والإقتصادي والإجتماعي .

٣- قرأت خبرا خطيرا يؤكد بأن امتحانات الشهادة الثانوية في الحزائر تسربت إلي الطلبة ، ولأجل التصحيح رأت الحكومة إسناد المسؤولية إلي الجيش ، وذلك بعد أن قررت الحكومة إلغاء الإمتحانات السابقة ، وهذا يدل علي عمق الفساد في العالم الإسلامي ، وهناك أخبار كانت شبه مؤكدة في أوقات سابقة بأن مثل هذه قد جري في جيبوتي في الشهادة المتوسطة ، وسمعت قبل يومين قرارات صدرت من وزارة التربية الوطنية في جيبوتي ، وفيها تهديد للطلبة ، وكأن شيئا ما سيقع ، فكل ذلك يؤكد أن الفساد ليس عملا فرديا ، بل هو عمل ممنهج يأتي من الأعلي وينزل إلي الأسفل ، وما أصدق قول الإمام محمد عبده رحمه الله حين قال : الفساد ينزل من المراتب العالية إلي القواعد ، ولكن الإصلاح يرتفع من القواعد إلي المراتب العالية ، وهذا جزء من السنة الكونية التي تناولت الآية الكريمة ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) .

٤- لقد رأيت المسلمين أكثر الشعوب تدينا ، فما زالت المعابد تستقطب الملايين من الرواد ، وما زال الكتاب العزيز أكثر الكتب قراءة وشراء ، وما زالت الأعداد التي تذهب إلي بيت الله تزداد كما في كل عام ، وما زال المسلمون أقل الشعوب تعاطيا للخمور ، وما زالت الأسرة بشكلها الرباني موجودة في العالم الاسلامي ، ولكن الطامة تكون حين نأتي إلي الأخلاق العامة ، وإلي سلوكيات الحضارة ، فقد نجد المسلمون يتقهقرون إلي الوراء بمسافات تعد بالحسابات الضوئية ، وهذا هو المخيف ، بل هنا يأتي التساؤل ، لماذا ننجح في الأخلاق الفردية ؟ ونفشل في الأخلاق الجماعية ؟ لماذا نتدين ظاهرا ؟ ونفشل مقصدا ؟

في هذه الأجواء تذكرت الملايين من الأموال التي سرقت من الشعوب المسلمة الفقيرة في اغلبها كجزء من الفساد المنهج في العالم العربي والإسلامي ، وفي يوم قريب ، قرأت من الصحافة الدخل الرسمي لباراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما حيث بلغ المبلغ في عام ٢٠١٣ م إلي ( ٤٨١.٠٩٨$ ) ، هذا كلام يعرفه كل الناس في الولايات المتحدة الامريكية ، فهذا ليس أمرا خاصا بالشعب الأمريكي ، بل لسكان العالم كله ، هنا يثور سؤال هام ، هل يملك زعيم دولة مسلمة ، سواء كان رئيسا أو ملكا أو أميرا ، أو أي لقب آخر أن يتقدم بشجاعة إلي الشعب مخبرا عن ثروته ، وثروة أهله ، فهذا من سابع المستحيلات في العالم الاسلامي ، ماذا نسمي تديننا الظاهري إذا كان حالنا مع المال العام ، وما يتصل به من أخلاق بهذا السقوط ؟ هل نحن مسلمون حقا كما تساءل مرة الأستاذ محمدقطب ؟ وهل نحن علي تدين مغشوش وشكلي كما ذكر مرة أخري الأستاذ محمد الغزالي ؟ ألم يكن الرسول صلي الله عليه وسلم صريحا حين قال : رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش ؟

٥- حين تنأمل النصوص الشرعية المتعلقة بالصيام نجد أن من وراء الصيام مقاصد كبري تتحقق ذاتيا ، وأخري تتحقق كذلك من خلال الفهم ، ولكن المشكلة في المسلمين الذين حرفوا الدين من الواقع إلي الورق ، يقول مالك بن نبي رحمه الله : إن رمضان يعلمنا ( المنطق الفعلي ) فنتحول من الفول وفق ما يقول القرآن ، إلي العمل بما يقول .

في رمضان نتدرب علي الدقة والنظام واحترام المواعيد ، فنحن نمسك عن الطعام والشراب والجنس في لحظة واحدة ، وتعود لنا الفرصة مرة أخري ، ولكنها لا تتقدم ولا تتأخر ، إنها لحظة معلومة للجميع ، مرتبطة بعملية حسابية دقيقة ( من طلوع الفجر الصادق إلي غروب الشمس ) والرسول صلي الله عليه وسلم يقول : إذا أذن بلال فلا تمسكوا ، ولكن أمسكوا إذا أذن ابن أم مكتوم ) ، فهذا هو المعلم المربي يعطي الأمة من خلال تلك الشعيرة الدينية أهمية الوقت في حياة الأمم .

لقد علمنا من قبل أهمية الزمن من خلال النص القرآني ( أياما معدودات ) وفي النص الآخر ( ولتكملوا العدة ) فنحن نتعامل مع زمن محدد ، للوصول إلي هدف محدد ، وذلك من خلال وسائل محددة ، وخطة معروفة سلفا ، فلا عبثية في شرع الله ( كتاب أحكمت آياته ) .

٦- في رمضان يتجدد المسلم ، وتقوي همته ، ويتوجه بكل طاقاته نحو العطاء والطاعات ، فليس الصوم في رمضان كما هو شأنه في زمننا لحظة الإنقطاع من الحركة ، فقد دخل المسلمون معركة بدر في رمضان ، وفتحوا مكة في رمضان ، وحققوا الانتصارات الكبري في رمضان ، إنه شهر يحمل مقصدا هاما وهو ( تجديد الحياة في الأمة ) فهو محطة هامة يمنح المسلم قوة الإنطلاقة مرة أخري .

٧- في رمضان يتجدد معني المراجعة ، والمراجعة في الفقه التربوي تعني المحاسبة لأجل التصويب ، والنَّاس في مسارهم أنواع ، فهناك من يقوم بجلد الذات ، وقتل الطموح ، فهذا ليس بشئء في الفقه التربوي ، بل هذا يعتبر نوعا من الإنتكاسة ، وبعض المدارس الصوفية تنزع نحو هذا ، وهناك من لا يسلك مع نفسه هذا الطريق ، فهو في يومه كما كان في أمسه ، وسيمون كذلك في غذه كما كان في يومه ، لقد توقف لديه الإحساس بالزمان ، ولهذا كان رمضان كما قال بعض السلف ( ميزان العام ) ، فهل يمكن لنا أن نجدد الطاقات بدون ان نقوم بمراجعة كبيرة لحياتنا؟

٨- لا تجديد بلا مراجعة كما قلنا ، ولا يمكن لنا المراجعة الدقيقة إلا إذا تمكنا الخلوة بأنفسنا بعيدا عن الضجيج والصياح ، ومن هنا كان الإعتكاف مسنونا في رمضان ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ومن معاني الإعتكاف ، العكوف علي الذات لمعرفة القصور في حياتنا لأجل أن نستكملها ، ومعرفة الكمالات في مسارنا لأجل ان نستثمرها ، فهذا كذلك لا يمكن لنا إلا في خلال هذا الشهر الكريم .

٩- في رمضان تثور الروح كقوة في الداخل لأجل إيقاظ الضمير المسلم من الغفوة ، فبداية الحضارة روح كما قرر فَقِيه الحضارة مالك بن نبي ، ونهاية الحضارة تكمن في استجابتها الغريزية لمتطلبات الجسد ، وكأن الله يذكرنا معني خلود الحضارة ، فلا خلود لحضارة تتمرد علي الروح ، يا له من شهر عظيم يحمل معاني هائلة لو كان المسلمون يفقهونه .

١٠- في رمضان يشعر المسلم العالمية ، ويتحرر من المحلية ، فهو ينتمي إلي أمة كونية موجودة علي الكرة الأرضية كلها ، فهناك مسلمون يصومون اليوم في أقاصي الكرة الأرضية استجابة لأمر الله وحده ، فكم يشعر المسلم عظمته من خلال هذه الشعيرة !

السؤال متي يتحول رمضان إلي قوة تغييرية في حياة الأمة ؟ ومتي يفقه المسلمون مقاصد الصيام ؟ ومتي يكون لأخلاق الصوم نصيبا في حياة الأمة ؟ بل ومتي نري دولة مسلمة تكون هي الأولي في الشفافية عالميا ؟ ومتي يعود إلي حياتنا مشروع عمر رضي الله عنه ، من أين لك هذا؟ ومتي يختفي الفقر والحياة الطبقية من حياة الأمة استجابة لأمر الله تبارك وتعالي في شهر الصيام ؟

لنا خاطرة رابعة باذن الله في هذا الشهر الكريم ، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام . آمين .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة