رمضان فرصة نادرة لتطوير الذات ( ٢ ) .

شؤون اجتماعية
خيارات
رمضان فرصة نادرة لتطوير الذات ( ٢ ) .

١- لا حضارة بدون فكر ، ولا فكر بدون رسالة ، فما

من حضارة قامت في مكان ما إلا وقد قامت علي فكر معين ، وما من فكر شاع وانتشر إلا ووراءه رسالة معينة ، فالحضارة الغربية اليوم قامت علي الفكر المادي ذي النزعة الفردية ، ومن وراءه رسالة تؤمن بأن الإنسان الغربي لديه ما يجب أن يقدمه للبشرية ، ولهذا نجد اليوم الحديث الغربي المنصب علي مركزية الغرب ، والحضارة الإسلامية قامت علي الفكر الإسلامي المنطلق من الوحي ، ومن وراءه رسالة تؤمن بأن المسلم لديه ما يمكن أن يقدمه للبشرية من خير عميم .

٢- لا قيمة للفكر بلا وجود إنسان ، ولا قيمة للإنسان ما لم يكن متمتعا بالحيوية ، ولن يكون متمتعا بالحيوية ما لم يشعربالسعادة والنجاح في آن واحد ، فالناس في دنيا اليوم أصناف أربعة ، هناك من لا يشعر في حياته السعادة والنجاح ، فهذا من أحط المخلوقات ، وهناك من يشعر بالسعادة ولكنه عديم النجاح ، وهذا ملحوظ في غالب المتدينين ، وهناك من يشعر في حياته النجاح ولكنه يعيش تعيسا في داخله ، وهذا ملحوظ في غالب العلمانيين والملحدين ، ولدينا الصنف الرابع وهو الذي يشعر السعادة والنجاح في آن واحد ، وهذا ملحوظ في قصة الناجحين في الدنيا ، وهؤلاء قد يكونون قلة ، ولكننا نستطيع أن نجعل عددهم قابلا للتمدد والتوسع .

٣- النجاح يعني اكتساب مهارة ، والتعامل معها بحرفية ، والسعي الحثيث في الوصول إلي الأهداف بدون تردد ، وهذا ليس خاصا بجيل معين ، ولا لذوي ثقافة معينة ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) ، والسعادة تعني وجود شعور داخلي يجعل الإنسان راضيا عن ذاته ، واثقا بنفسه ، متوكلا علي ربه ، متواصلا مع الآخرين بإيجابية ، ولهذا فأغلب من يفعل ذلك يحقق أهدافه من خلال الحياة التي من شأنها الصراع والمدافعة .

٤- قبل عقد قرأت كتابا هاما في التطوير الذاتي للأستاذ المدرب الكبير ستيفن كوفي ( العادات السبع للناس الأكثر فاعلية ) ، ثم كتب الرجل كتابا هاما في التطوير الذاتي ( إدارة الأولويات ، الأهم أولا ) ، فأصدر بعدئذ كتابه الثالث ( نجاحات عظيمة يومية ) ، وقرأت قبل أيام كتابه الرابع ( البديل الثالث ) وفي الكتاب الثالث رؤية متقدمة في حل أصعب المشكلات والصراعات .

لقد استفدت من الرجل في فهم النفس الإنسانية ، والعمل بشكل متوازن في التطوير الذاتي ، والذهاب إلي الأمام بلا رجوع إلي الوراء ، ولكني كقارئ مسلم ، وداعية إلي الله ، يهمني من الدرجة الأولي أن أقرأ العلم مهما كان مصدره من خلال المعرفة المرتبطة بالوحي ، فرأيت القرآن يتناول من خلال شعيرة الصيام ( الشخصية الناجحة والسعيدة ) ، وهو ما يسمي قرآنيا ( بالفلاح والفوز ) .

٥- في رمضان نجد جملة من الأمور ، تؤدي في مجملها النجاح والسعادة ، وبالتالي التطوير الذاتي للشخصية الناجحة ، ولكن هذا لا يمكن إلا لمن تأمل الآيات ، والنصوص النبوية ، وفهم بعمق مغزي النصوص ، وحاول بجد تنزيلها في الواقع لأجل صناعة التطوير المطلوب .

لا نجاح بلا أهداف ، ولا أهداف توضع بغياب ترتيب الأولويات ، ولا معني للأولويات بغياب التعامل الأمثل مع الزمن ، فهذه المتطلبات صارت من أبجديات الدورات التي تمنح للمبتدئين في دورات التطوير الذاتي ، نجد في سورة البقرة تحديد الهدف من الصوم ( لعلكم تتقون ) ، فالهدف محدد بدقة ، ونجد كذلك الإهتمام بالوقت ( أياما معدودات ) فليس الزمن هنا مفتوحا ، بل هو كذلك محددبالأيام والساعات ، والعمل المطلوب كأولوية قصوي في الشهر محدد ( الإمساك عن المفطرات من شهوتي الجنس والغذاء ) و ( إقامة التراويح في ليالي رمضان جماعة في المسجد لاستماع كلام الله مباشرة من الإمام ) ، فهذا النوع من العمل الخاص يسمي في علم إدارة الذات ( التخصيص ) أي أن لكل زمان عمل خاص ، فلا يطغي عمل علي عمل ، ولا يتداخل زمان في زمان ، ومن هنا يكون الشخص ناجحا ، وصدق أبو بكر رضي الله عنه حين قال : إن لله عملا في اليوم لا يقبله في الليل ، وعملا في الليل لا يقبله في النهار .

٦- لا يمكن للإنسان أن يطور ذاته ما لم يكن لديه مشروعا متكاملا ، فالبعض منا يتحرك نحو الأهداف بلا تخطيط ، كما أن البعض منا يريد أن يكون رقما صعبا في الحياة وهو قابع في بيته ، جالس علي أريكته ، بل ويرغب البعض منا أن يكون عالما وفقيها بلا جد واجتهاد ، وهذا ضد السنن الكونية ، وفي رمضان ما يشير إلي هذا المعني ، فالذين يحققون النجاح في الحياة لديهم قدر كبير من الجهاد النفسي ، ومن التخطيط الإستراتيجي البعيدة المدي ، وقرأت قبل عقد ونيف من الآن كتابا لمفكر سعودي تأثر بالشيخ السعدي ، وبكاتبين أمريكيين ، أحدهما هو صاحب كتاب ( دع القلق وابدأ الحياة ) دايل كارنيجي ، وثانيهما صاحب كتاب ( العادات السبع ) ستيفن كوفي ، وهو الدكتور إبراهيم القعيد ، ولديه كتاب جيد في بابه سماه ( العادات العشر للشخصية الناجحة ) .

في الكتاب وجدت أمرين خطيرين ، أحدهما هو السعي للتميز ، وثانيهما تحديد الهدف ، ووجدت كذلك في رمضان كذلك الأمرين واضحين ، فنحن لا نسعي في رمضان التميز بالعبادة ولكن كل واحد منا له تميزه الخاص ، فمنا من يرغب التميز بالعبادة ، ومنا من يحب التميز بالصدقة والعطاء ، ومنا من يريد التميز بقراءة القرآن والتدبر في آياته ، هذا النوع من التميز يتطلب أمورا ثلاثة وفقا للمفكر السعودي ، الإيمان ، والإحتراف ، والعلاقات ، وتتحول كنتائج في حياة الفرد إلي الرضا ، والانجاز ، وإسعاد الآخرين .

هذه الرحلة الرمضانية تحقق للفرد كذلك الأمر الثاني ( تحديد الأهداف ) ، ولدينا في رمضان هدف محدد ( الوصول الي التقوي ) ولكننا يجب أن نضع لهذا الهدف الكبير أهدافا إجرائيا ، تعمل كلها لتحقيق الهدف العام من الصيام ، وللهدف الناجح مواصفات خمسة وفقا للمفكر السعودي ، الوضوح ، والقبول للقياس ، وأن يكون عمليا ، وطموحا ، ولإنجازات تاريخ محدد ، أليس من الغباء أن نصوم كل عام ، وأن نخرج من هذه الدورة الربانية بلا نتائج ملموسة من كل عام ؟!

٧- الصوم عملية سلبية بخلاف الأعمال الأخري في الإسلام ، فهي إيجابية في جملتها ، أما الصوم فهو كف وترك ، وفيه قوة ذاتية ، وله أثر علي الفكر والسلوك ، والتربية نوعان ، تربية الصغار وهي تعني التنشئة ، وتربية الكبار وهي تعني التدريب ، فالصوم تربية للكبار ، ولهذا وحب فقط علي البالغ العاقل المقيم الصحيح ، وهو عبادة وليس عادة ، ولكنه يتحول من خلال الممارسة عادة ، ولا نعني العادة بمنطقها السلبي ، ولكننا نريد بمنطقها الإيجابي ، فالممارسة الجيدة تحول الصعاب إلي عادة ، ولهذا نجد الغربيين يتعجبون من صيام المسلمين في الساعات الطوال .

إن ترك الشهوات لأجل أهداف كبري ، وغايات عظمي تجعل الانسان يتحول من عالم الحيوانات إلي عالم المثل ، ومن عالم الأخذ إلي عالم العطاء ، ومن عالم الأنا الكبيرة والمتضخمة إلي عالم نحن والجماعة .

٨- قرأت كتابا للشيخ الجليل أبي إسماعيل الهروي وهو بعنوان ( منازل السائرين ) ، ثم قرأت شرح الشيخ الرباني ابن القيم المعنون ( مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ) ، فوجدت الكتاب بحثا في النفس الإنسانية ، ورحلة صعبة ولكنها جميلة في الذات البشرية ، فالناس كما قلنا تائهون بين النجاح والسعادة ، والشيخ ابن القيم رحمه الله له حديث شيق في باب السعادة والنجاح ، فيبحث من خلال الكتاب العزيز نور البصائر ، وحياة القلوب ، ولذة النفوس ، وحادي الأرواح إلي بلاد الأفراح .

في رمضان نعيش مع القرآن قراءة وحفظا واستماعا ، في هذه الأجواء المباركة ، وفي هذه اللحظات الإستثنائية ، يكون القرآن صانعا للحياة ، ويكون المسلم في رحلة نوعية ، وهي شبه يومية ، وفي محطة المسجد ، يتعامل مع نص رباني متعالي ، يحاول فهمه واستيعابه ، وهو الفرد الصغير ، والكلام صدر من رب عظيم ، وقادر ، ولكنه رحيم بعباده ، يسر حفظ الكتاب وتلاوته .

في كتاب العادات العشر للشخصية الناجحة عادة مهمة وهي ( التركيز ) ، فلا نجاح بدون تركيز ، ورمضان يقوي في الشخصية المسلمة تلك العادة ، بل ويعمقها الذات الإنسانية ، فنحن نستمع آيات الكتاب بتركيز معين ، ونحاول أن نحفظ حياتنا في رمضان بتركيز معين ، وقد تأمل الناس في صفات الناجحين ، فلاحظوا فيها وجود هذه العادة بقوة.

٩- الشخصية الناجحة متوازن في عمله ، متوازن في سلوكه ، متوازن في خطابه ، بل هو متوازن في أكله وشربه وسائر أعماله ، ولهذا كان التوازن سمة أساسية للشخص الناجح ، وفي رمضان نجد التوازن في أبهي صوره ، وفي أجمل مظاهره ، نجد تركا وكفا عن الشهوات طيلة النهار ، والتمتع بما أحل الله في الليل كله مع إقامة الشعائر من قيام الليل ، تأمل معي هذا المقطع من سورة البقرة ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلي نسائكم ، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ، علم الله أنكم كُنتُم تختارون أنفسكم ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، وكُلُوا واشربوا حتي يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتموا الصيام إلي الليل ، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) إنها لوحة جميلة ، ورائعة ، تصور حالة المسلم الرباني ، لا الرهباني ، فنحن أمة ربانية ولسنا أمة رهبانية ، نجمع بين عبادة الخلوة ، وعبادة الخلطة ، فتسعد اللقاء بالله في بيته ، ونستمتع بالحياة الزوجية حتي في شهر رمضان ، إنه التوازن الذي يؤدي إلي التطوير الذاتي لصناعة الشخصية الناجحة .

١٠- وأخيرا ، لا تطوير بدون تغيير ، ولا تغيير بدون مشروع ، فنحن يجب أن نسعي من خلال رمضان هذا العام ( ١٤٣٧) هـ لتطوير ذاتنا بما يتوافق مع هويتنا الحضارية ، وذلك لا يمكن لنا ما لم نسع بشكل جيد إلي التغيير الذاتي ، فالتغيير متقدم وسابق علي التطوير ، فقد قلنا صادقين : إن رمضان فرصة ثمينة لتغيير الأفكار ، ذلك لأن الفكر هو أساس كل تغيير ، ولهذا نزل القرآن في رمضان ، فالقرآن هو المصدر الذي يصنع لنا فكر التغيير ، ويضع لنا المشروع المتكامل لصناعة التغيير ، ولن يكون للتغيير معني ما لم نخطط لبناء الذات المسلمة ، وتطويرها ، ومن هنا يكون للتغيير معني ، فيتكاملان . لنا خاطرة ثالثة حول رمضان وفاعليته بإذن الله .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة