رمضان فرصة ثمينة لتغيير الأفكار ( ١ )

شؤون اجتماعية
خيارات
رمضان فرصة ثمينة لتغيير الأفكار ( ١ )

١- لا حياة بلا وجود ظاهرة إنسانية متميزة ، ولا وجود للظاهرة الإنسانية المتميزة

بلا دين ، ولا وجود للدين بلا تضحية . فجوهر الدين روح ، والروح موجود في القفص الجسدي ، والصراع الحقيقي ليس في خارج الإنسان ، وإنما هو في داخل الإنسان .

٢- لا معنى للحياة ما لم تكن مؤسسة على قيم ، ولا معنى للقيم ما لم تكن مؤسسة على رسالة ، ولا معنى للرسالة ما لم تكن مسنودة من السماء ، وستبقى الرسالة حلما ما لم تتحول إلى واقع معاش ، والبطولة ليست في قيمة الرسالة ، ولكنها في مدى تحويل أهلها إلى قيم معاشة .

٣- الدين في جوهرها قوة روحية ، والإنسان في عمقه ظاهرة روحية ، فالأفكار الوضعية تناقش سطح الإنسان ، بينما الدين يخاطب عمق الإنسان ، فلا معنى لدين يعطي الإهتمام الأول لمظاهر الإنسان ، فهو كذلك مع مرور الزمان يصبح فكرا وضعيا ، ومن هنا اختلف الدين في حديثه عن الإنسان الفكر .

٤- في الدين أخبار قد تقترب اللغز ، وفي الفكر أحاديث قد تكون صوابا ، وقد تكون خطأ ، ولكن كيف نفهم ألغاز الدين ؟ وكيف نعرف الصواب والخطأ في الفكر ؟ هذا موضوع شائك ، ولكننا يجب أن نفهم أن التغيير مرتبط بتغيير الفكر ، فلا تغيير في حياة الناس ما لم تتغير أفكارهم .

٥- العبادة في الإسلام مفهومة المعني ، ومعلولة في غالبها ، وذاك هو مذهب الرازي والغزالي وسائر المتكلمين ، الصلاة تنهي عن فحشاء القول ، ومنكر السلوك ، والصدقة تطهير للفرد ، وتزكية للمجتمع ، والحج منفعة عامة للأمة في ترابطها الروحي والفكري ، والصوم جنة من السقوط الفكري والأخلاقي ، فلا عبثية في الأحكام الشرعية .

٦- التغيير فلسفة إسلامية ، وليست فلسفة غربية كما يظن البعض من جهلة المسلمين ، ولكن المفهوم قد صار غربيا ، وغريبا ، ذلك لأن الأمة في مجملها خرجت من طور الرشد إلى طور الغفلة ، وكأنها ليست أمة سورة الرعد ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، فلا حياة صحيحة بلا مشروع ، ولا نجاح للمشروع بلا فلسفة ، ولا فلسفة كونية في الوجود ما لم تحمل في طياتها مشروعا تغييريا .

٧- رمضان فرصة هائلة في التذكير للقيمة الكبرى للإنسان ( لعلكم تتقون ) ، والتقوى في الفقه النبوي قوة داخلية ، وليست قوة خارجية ، ليست مظهرا ، ولا تتعلق بشكل الإنسان ، ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) وفي حديث آخر ( التقوى ها هنا ) وأشار إلى صدره الشريف ثلاث مرات ، ومن هنا نفهم معنى دقيقا في الحديثين ، القوة الإنسانية ليست فيما يملكه الإنسان وفقا للنظام الرأسمالي ، وليست فيما يفعله الإنسان وفقا لمقولات الوعاظ في العالم المسيحي والإسلامي .

٨- في رمضان مسلمي اليوم كل شيء يتغير إلا الإنسان ، أوقات الطعام ، وبرامج النوم والإستيقاظ ، وأعمال الدوام عند بعض الشركات والدول ، وحتى نوعية التغذية ، وقد يغير البعض ملبسه ، فيستعمل أزياء الخليج ظنا منه أن ذلك لباس ديني ، وقد يتشدد البعض ليجعل زيه هنديا ، وهذه هي الطامة الكبرى ، التغيير يبقي خارجيا ، ولهذا لا يفقه المسلمون معنى الدين في عمقه ، ما أسهل أن يتغير الإنسان في مظهره وسلوكه ، ولكن الصعوبة تكمن في تغيير الإنسان من الداخل ، وهذه تتطلب قوة روحية وعميقة الجذور في البنية الإنسانية ، هل فهم الإنسان المسلم بماذا يختلف الإنسان عن الحيوان ؟ الكثير منا يجيب ، الخلاف يكمن في الذكاء ، والعقل ، وهذا ليس بصحيح في الإطلاق ، ولهذا يقول المفكر الفيلسوف المؤمن علي عزت بيجوفيتش رحمه الله : إن اختلاف الإنسان عن الحيوان يمكن أن نشاهد أيضا في تمرد الإنسان ، فالحيوان لا يتمرد علي مصدره الحيواني ، الإنسان وحده هو الذي يتمرد ، إنه الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يكون حيوانا .

نحن نجد في حياتنا رجل دين بلا أخلاق ، ونجد في الحياة رجل ملحد على أخلاق ، المشكلة لا تكمن في وفرة المعلومة الدينية ، ولكنها موجودة في القوة التي تحول الوفرة في المعلومة إلى مظهر سلوكي ، وأخلاق في الحياة ، ومن هنا نرى اليوم ثقافة رمضانية في الشعوب ، ولا نجد سلوكا رمضانيا ، والمشكلة مرة أخري تكمن في تحول الدين من حالة ثورية إلي حالة مؤسساتية ، فالدين يعيش في الروح ، ويموت في المؤسسات ، ومن هنا نجد العظمة في قوله صلي الله عليه وسلم ( ان الله يبعث في رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ) رواه أبو داوود .

٩- شهر رمضان فرصة لتغيير الحياة ، والتغيير هو التمرد على العادة ، والمشكلة البشرية تكمن في الحياة علي نمط واحد ، ومن هنا ، فكان من الضروري لأجل تجديد الحياة التوقف عن السير نحو الغايات الواحدة لأجل التساؤل ، لماذا أنا أسير في هذا الطريق ؟ هل هو الطريق الصحيح ؟ ولماذا لا أسير طريقا آخر ؟ فهل اخترت الطريق بعقلي ؟ أم اختار لي إنسان آخر ؟ ولماذا اختار لي ؟ أين كنت حين اختار لي الآخر طريقي ؟ ومن منحه قوة الخيار ؟ ومن سلب مني قوة الخيار ؟

من فقد التمرد علي العادة فقد إنسانيته ، واختار طريق الحيوان الرافض للتمرد ، ومن عجز عن التدين العميق فهو أعجز من التمرد ،، الكثير منا يطرح في بداية رمضان علي أسئلة فقهية صارت معروفة مسبقا ، وهي تشير بمدي تخلفنا عن الإنسانية ، فنحن نريد صوما حيوانيا ، وليس صوما إنسانيا ، لا أحد يبحث ذاته في الصوم ، وفي رمضان ، فالكل يبحث عن المفطرات ، ففي وقت مبكّر من حياتي قرأت كتابا للفيلسوف المسلم علي عزت ( الإسلام بين الشرق والغرب ) ، فقال الرجل في هذا الكتاب : وليست عظمة الإنسان أساسها في أعماله الخيرة ، وإنما في قدرته على الإختيار ، وكل من يقلل أو يُحد من هذه القدرة يحط قدرة الإنسان ، وقال في موقع آخر : يكون الحيوان خطيرا عندما يكون جائعا أو في خطر ، أما الإنسان فيكون خطيرا عندما يشبع او يقوي ، وكثير من الجرائم ترتكب بسبب الشبع والعبث .

في هذين المقطعين ، نفهم مأساة الانسان ، الملحد يريد حياة بلا دين ، والمتدين يرغب تدينا سطحيا لا عمق له ، وكلاهما لا يستجيبان للمقتضي البشري ، كل تغيير حقيقي يتطلب تغييرا ذاتيا يبدأ من داخل الإنسان ، من التسأولات العميقة ، من الفهم العميق للعبادة ومغزاها ، وليس فقط التعامل مع الشكل الظاهري للعبادة .

١٠- سجدت الملائكة لحظة ما للإنسان ، وهذا ينبئ شيئا في داخل الإنسان ، والسر ما زال غامضا حتي اليوم ( إني أعلم مالا تعلمون ) فكانت تلك إجابة الرب لسؤال الملائكة عن سر خلق هذا الإنسان المتفرد ، فهو يملك قوة هائلة في التأقلم ، له مشئية نسبية في السير نحو الأعلى ، وله كذلك مشيئة أخرى في الرجوع إلى الوراء ، فهو يملك أن يكون ملكا في السماء ، وحيوانا في الوحل ، والسر في رمضان ، في الصيام في النهار ، والقيام في الليل ، فمن استطاع تحويل رمضان إلى مشروع متكامل فقد فهم طرفا من السر ، ومن كان دون ذلك فهو يتعامل مع هذا الشهر الفضيل كعادته في كل عام ، يبحث عن علل للإفطار ، ويطرح الأسئلة التي تقاطرت منذ بدء بزوغ الفقه عن ماذا يأكل ، وما الممنوع منه ؟ وكأنه في لحظة استعداء ، وليس في لحظة عكوف على الذات .

في رمضان فرصة هائلة للتفكير ، ولكن هل نحن نستطيع التفكير ونحن قابعون أمام التلفاز الذي سرق منا فرصة الوجود ، وكذلك سائر وسائل التواصل التقني ؟ بل وهل يمكن لنا التفكير ونحن مع البعض في الجلسات التي لا تنتهي ؟ وهل نفهم لماذا كان نزل القرآن في شهر رمضان ؟ ولماذا كان رمضان شهرا نتوقف في لحظات منه عن الأكل والشرب والجماع ( شهوتي البطن والفرج )؟

ولماذا في رمضان فقط نتمرد علي الحيوانية ؟ وهل في نزول القرآن سر يؤكد على تفرد الإنسان في التفكير ؟ أليس القرآن كله دعوة إلى تجاوز عتبة الحياة الحيوانية ( العادة والألفة ) إلى وصول عتبة الفعل الذي نريد ، ومن هنا تظهر عظمة الإنسان ، فقد تذكرت مقولة للفيلسوف علي عزت حيث قال : مهما يكن الأمر ، فإن البشر إما أخيار ، وإما أشرار ، ولكنهم ليسوا آبرياء .

رمضان فرصة للتغيير ، وأهم ما في الانسان هو الداخل ، وليس الشكل ، فلا تحاول تغيير شكلك ملبسا ومسكنا ، فهذا ليس تغييرا ، وإنما هو نوع من الديكور ، ولكن حاول مع رمضان ان تغير شيئا من الداخل ، حينها بدأنا رحلتنا مع رمضان . ولنا لقاء آخر غذا مع خاطرة رمضانية أخرى .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة