أسئلة لا بد منها

شؤون اجتماعية
خيارات
أسئلة لا بد منها

يقولون : الإنسان كائن ميتافيزيقي ، يطرح الأسئلة ويبحث من خلالها الإجابات المقنعة ، فحين تنتهي الأسئلة من الإنسان ، فقد انتهى

دوره من الحياة ، ويعلن وفاته ، ولهذا نجد من يتحدث عن نهاية التاريخ يعلن وفاة الإنسانية ، فلا نهاية لهذا الكائن حتى تنتهي الحياة من الكرة الأرضية ، وبالتالي فلا نهاية لأسئلته المعقدة ، ولا نهاية للأطروحات الفكرية .

نهايات تعلن البدايات :

-------------------

أعلن الفقهاء في القرون الماضية بأن الإجتهاد توقف ، وأنه لا يمكن للمسلم أن يكون مجتهدا ، ذلك لأن الأدوات المعرفية التي تمكنه ذلك ليس من الإمكان إكتسابها ، ومن هنا توقف العطاء حينا ، ولكن مسيرة الإجتهاد بدأت مرة أخرى بقوة من خلال العلماء والمفكرين ، فكان ابن تيمية الذي أتى باجتهاد جديد ، وبآراء مثيرة للغاية ، وكان من بيده الإمام الشوكاني والصنعاني الذين خرجا من المدرسة الشيعية المعتدلة وأصبحوا أئمة للمسلمين قاطبة بفكرهم واجتهادهم ، وخرج من القارة الهندية الامام الدهلوي صاحب حجة الله البالغة ليعلن بأن الإجتهاد ليس حكرا على زمن معين ، ولا لمنطقة معينة ، فمن خلال إعلان نهاية تاريخ الإجتهاد بدأت عملية أخرى من خلال رجال يؤمنون بأن التاريخ لا يمكن إيقافها عند تجربة معينة .

أعلنت الحركة الصوفية ( القادرية ) بأن التجربة الصوفية انتهت في محطة الطريقة القادرية ، ولهذا قال قائلهم في قصيدة ( أفلت شموس الأوائل وشمسنا ---- أبدا على الفلك لا تغرب ) .

هكذا أعلنت الطريقة القادرية الصوفية نفسها ، إنها تمثل نهاية التاريخ ، فلا غنى عن هذه الحركة العظيمة في عطاءها الروحية ، ولكن هذا لم يكن صحيحا ، فقد عاش المسلمون تجارب أخرى روحية توازي الحركة عطاء ، وما حركة النورسي بعطائها الروحية عنا ببعيد ! بل وتمثل حركة التبليغ في مشروعها الدعوي تجربة روحية بنكهة دعوية ، فلا نهاية للتاريخ .

أعلن بعض الفقهاء نهاية التاريخ من خلال أبحاثهم الفقهية ، فقد قال أحدهم بأن الحديث يؤول لصالح المذهب ، وليس العكس ، وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على تضخيم المذهب الفقهي على حساب النص ، وهذ دليل صارخ على توقف العقل المسلم عند محطة معينة ، فالشوافع يحسبون أن تاريخ الإجتهاد توقف لديهم ، وكذلك الحنابلة والأحناف والمالكية .

لم يتوقف التاريخ عند هذه المذاهب ، فقد رأت الساحة الفقهية اجتهادات أخرى غير مذهبية ، فكان المذهب الظاهري بشيخه أبو داوود الظاهري ، وفيلسوفه ابن حزم دليلا ساطعا بأن التاريخ الفقهي لا يمكن حصره في رؤية واحدة .

أعلنت المدرسة الظاهرية بأن لا مكان للمقاصد في شريعة الإسلام ، فقد رأت بأن التاريخ انتهى عند من قال : أقول : قال الله ، وقال رسول الله ، وأنت تقول : قال فلان ، بينما أعلنت مدرسة الرأي بأن هؤلاء عبء على الدين والفكر ، فليسوا إلا حشويين ، يجمعون الأقوال بلا فهم ولا دراية ، فلا مكان لهم في عالم يتطور بسرعة ، ومن هنا أعلنوا نهاية التاريخ .

لم يتوقف التاريخ عندهما ، بل خرج من رحمهما مدرسة أخرى ( مدرسة التكامل ) ، فلا يمكن لنا أن نعيش بعيدا عن النص ، ولكن لا بد وان نعرف أن للنص روحا ومقصدا ، ومن هنا رفضت هذه المدرسة نهاية التاريخ .

أعلنت المدرسة السلفية المعاصرة بأن التاريخ انتهى في عصر القرون الثلاثة المفضلة ، فلا رأي لمن أتى بعدهم إلا أن ينقل منهم ، ولهذا سموا أنفسهم ( السلف ) مع أنهم يعيشون في ما بعد السلف .

وأعلن الإخوان المسلمون بأن التاريخ توقف عند الإمام الشهيد حسن البنّا ، فليس من الممكن أبداع تجربة دعوية متكاملة بعده ، فهو مجدد القرون ، وليس مجدد قرن ، فإذا كان الناس عيالا على أبي حنيفة في الفقه ، فالدعاة عيال على البنّا في فقه الدعوة والحركة .

ونلاحظ اليوم في الساحة أفكارا جديدة ( الحركات العنيفة ) وكلها تزعم بأن التاريخ توقف ، وليس أمامنا إلا طريق الجهاد المسلح ، فالديمقراطية صارت لغير المسلمين ، ولم يبق لنا إلا تجربة رفع السلاح حتى يكون الدين كله لله .

التاريخ يرفض السكون ، فلا الحركة السلفية بتنظيراتها قادرة على إيقاف التاريخ ، ولا حركة الإخوان بتنظيمها الدقيق استطاعت ان تعطي الإجابات المقنعة للأجيال الجديدة ، ولا الحركات الجهادية بقوتها الفوضوية تعطي بديلا عن أفغنة العالم الإسلامي .

أعلن العلمانيون بأن التاريخ انتهى عند محطة الحداثة البعيدة عن الدين ، فالغرب تطور حينما طلق الدين وإلى الأبد ، وسارت على المنهج ذاته اليابان فواصلت المسير لتصبح قوة عالمية ، ولهذا لا يمكن للمسلمين إلا أن يركبوا موجة العلمانية ليصبحوا شيئا في عالم اليوم .

ويموت الإسلاميون دفاعا عن حتمية العودة إلى منهج السماء ، فلا نجاة لهذه الأمة إلا من خلال الوحي ، فقد حكمت من خلال المنهج العلماني عقودا فلم تَر منه إلا الأسوأ ، ومن هنا فهم يعلنون نهاية التاريخ بالوحي .

نثير أسئلة مهمة ، هل العلمانية بشكلها المستنسخ من الغرب نفعت العالم الإسلامي ؟ ماذا قدمت العلمانية لتركيا في عقود ستة ؟ وما قدمت العلمانية العربية في مصر وتونس وسوريا ؟

وفي الجانب الآخر ، نثير أسئلة أخرى ، هي كذلك مهمة ، ماذا قدم الإسلام التشريعي في السعودية في قرن ؟ هل خرجت المملكة من طور الدولة المتخلفة لتصبح دولة عصرية وفق الشريعة ؟ وماذا قدمت المذهبية الإسلامية في إيران ؟

هل صارت إيران بالإسلام الفكري دولة قوية ؟

أسئلة جديدة تبحث عن أفكار جديدة .

--------------------------------

نحن اليوم أمام مرحلة جديدة ، فقد انتهى عصر ليبدأ عصر آخر ، فما هو العصر الذي انتهى ؟ وما العصر الجديد الذي بدأت معالمه تتضح أكثر فأكثر ؟

لقد انتهى عصر دولة الإستقلال الصوري ، وهي دولة ما بعد رحيل الإستعمار ، وهي دولة جاءت بتخطيط غربي ، وتنفيذ محلي ، وتم كل ذلك في غياب الوعي ، ولكن اليوم وقد استعادت بعض النخب بعض عافيتها رأت أن الطريق إلى الدولة المستقلة عن الهيمنة الخارجية ، والإستبداد الداخلي لم يكن موفقا ، فما الطريق إلى ذلك ؟ وما دور النخب في صناعة المستقبل ؟ وما النخبة التي يمكن لها صناعة التاريخ ؟ وهل للإسلام من دور جديد في صناعة التاريخ ؟ وكيف ؟ وكيف يمكن لشعوبنا في هذه المرحلة ان تدير التنوع الديني والسياسي والفكري والأيديولوجي ؟ ماذا يريد الغرب من بلادنا ؟ وماذا نريد منه ؟ هل يمكن لنا أن ننهض في ظل الهيمنة الغربية ؟

الخريطة الفكرية في عالم الإسلام الحديث .

--------------------------------------

لدينا قوى فكرية تتمثل في أربعة اتجاهات :

١- الإتجاه الإسلامي المعتدل ، فهو صار جزءا من اللعبة السياسية الدولية ، وقد تنازل من الخلافة ليقبل الواقع الذي صنعته الدوائر الغربية ، ولهذا فهو لا يفكر في غالب الأمر الإستقلال الجديد من الهيمنة والإستكبار ، بل جل ما يفكر فيه هو قيام دولة العدل في دولة لا تملك مقومات الدولة كما ظهر مؤخرا .

٢- الإتجاه الإسلامي المتطرف ، فهو رفض أن يكون جزءا من اللعبة السياسية الدولية ، ولكنه صار من أدوات التخريب في العالم الإسلامي ، وبهذا فهو يعمل بشكل أو بآخر لتنفيذ مخططات الأجنبي بغير قصد ، فالبراءة السياسية عنوان لهذا الإتجاه ، وقد نجح في تشويه الإسلام أمام الرأي العالمي ، كما نجح في إبعاد الأمة من حبها الفطري للإسلام .

٣- الإتجاه العلماني الليبرالي ، فهو أيضا كالإسلاميين المعتدلين ، صار جزءا من اللعبة السياسية الدولية ، ويحسب أن الدولة القطرية بمقوماتها دولة كاملة الأركان ، وهو كغيره من الإسلاميين لا يعرفون أنها دولة ناقصة السيادة ، إن لم تكن عديمة السيادة ، ويوجد في داخل هذا الإتجاه من يلعب دور السمسار للأجنبي ، وما جرى مؤخرا في مصر أظهر بوضوح وجود طابور خامس في داخل التيار الليبرالي ، ولكن هذا لا يجعلنا نعطي الجميع حكما واحدا ، ففي هذا التيار رجال يحملون الليبرالية فكرة ، ولكنهم يؤمنون الحرية والإستقلال .

٤- الإتجاه العلماني اليساري ، فهو قد تغنى منذ سنوات عدة بأن بداية النهضة تقتضي تحرير القرار السياسي لعالمنا ، ولكن هذا الإتجاه فشل في أمرين ، في أمر التعامل مع هوية الشعب ، وفي قبول ما تفرزه صناديق الإنتخابات ، فقد ذهب غالبية هذا التيار إلي رفض الديمقراطية عندما تبرز التيار الإسلامي ، وهذا أيضا ليس حكما عاما على التيار كله ، فمن هؤلاء من قبل العمل مع الإسلام السياسي المعتدل كالمرزوقي في تونس ، ولكن الذي ظهر لنا من خلال المتابعة بأن بعضا من هذا التيار ينحاز في غالب الأمر إلى من يمارس الإقصاء .

هذه هي الخريطة الفكرية العامة في العالم الإسلامي ، وهي خريطة تكونت في وقت مبكّر من حياة الأمة في نهضتها المعاصرة ، وقد بين المفكر الفقيه أبو الحسن الندوي أن المعركة الفكرية كانت في بدايتها ما بين الإتجاه المحافظ الذي يدافع عن أصالة الأمة ، والإتجاه الحداثي الذي يدافع عن الدخول في العصر بشروط الغرب .

وفي وقت لاحق لاحظ المفكر الفسلطيني الأستاذ منير شفيق الخريطة الفكرية في هذا العالم ، ورأى فيه حالة استثنائية حيث ينطلق البعض من أرضية الإسلام لمعالجة الأوضاع ، بينما ينطلق آخرون من الأرضية الغربية ، ومن هنا احتد الصراع وما زال بين المدرسة الإسلامية ، والمدرسة الوضعية .

أين تكمن المشكلة في العالم الإسلامي ؟

-----------------------------------

في عالمنا الإسلامي قراءتان مختلفتان للدولة الحديثة ، فهناك قراءة إسلامية تستدعي التراث في فهم الدولة الحديثة ، وهي قراءة غير صحيحة ، فالدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار تختلف عن الدولة الاسلامية في الشكل والموضوع ، فقد تأسست الدولة الإسلامية في عصر النبوة بالبيعة والرضا ، وانتشرت بالفتوحات الإسلامية ، فهي دولة ايديولوجية بالمعنى العلمي ، وسكانها مسلمون وغيرهم ، ولكن الحكم لا يكون إلا للمسلمين ، بينما الدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار تأسست على الإستقلال ، وبناها المسلمون وغيرهم ، وبالتالي فحكمها ليس خالصا للمسلمين .

وهناك قراءة علمانية للدولة الحديثة ، وهي مستوحاة من الفكر الغربي ، فيحسبون بأن الدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار قابلة للحياة بمجرد وجودها ، ولكنهم ينسون أن هذه الدولة هي صناعة غربية في تربة إسلامية ، ومن هنا نجد التيه في بناء الدولة واستمرارها ، ولهذا يجب أن نعيد النظر في القراءتين . فلا حل في الترث للدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار ، ولا علاج غربي لدولة ترغب تنظيم أحوال الأمة المسلمة .

لا شك في أن مشكلة العالم فكرية من الدرجة الأولى ، وأن جزءا منها يكمن في استدعاء التراث ، واستلهام أفكار الغرب ، ولكن يوجد وجه آخر للمشكلة ، وهو وجود دولة في داخل الدولة ، وهذه النوعية من الدولة قد تكونت في لحظة غياب الدولة الحقيقية ، ( الدولة العميقة في مصر ، والدولة الموازية في تركيا ، والدولة المخبوءة في الصومال وجيبوتي نموذجا ) .

لقد رحل الإستعمار عن هذا الجزء من العالم ، وهو يمثل للعالم كله حيوية استراتيجية حيث يقع من القلب في العالم القديم ، ويتحكم أهم الممرات العالمية ، ويملك أهم الثروات العالمية من النفظ وغيره مضافا إلى وجود ثروة فكرية هائلة تتمثل بالإسلام الذي قد يصبح بديلا عن الأفكار الوضعية التي أدت في الآونة الأخيرة إلى الطرق المسدودة .

لم يترك الإستعمار هذا الجزء الهام لأهله ، بل أوجد فراغات سياسية هائلة ، وصنع سماسرته حتى يكون حراسا على مصالحه الحيوية ، ولهذا تجد الديمقراطية تمثل نعمة عالمية إلا في العالم الإسلامي ، بل وتجد تجارب النهضة ناجحة في كل مكان ما عدا العالم الإسلامي ، والسبب ليس فقط في غياب مشاريع النهضة ، بل السبب الأهم يكمن في الهيمنة الغربية ، وفي الإستبداد السياسي الداخلي ، وهما وجهان لعملة واحدة في الدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار .

نحن أمام مرحلة جديدة ، مرحلة نهاية الدولة التي ورثناها من الإستعمار ، فقد صارت بلا روح ، بل واستنفذت أغراضها ، فلا تملك مقومات البقاء فضلا عن مقومات الإستمرار ، ولهذا رأينا نهاياتها في الشرق الأوسط ، فلا وجود لدولة العراق بعد سقوط صدام حسين ، ولا لدولة سوريا بعد الثورة السورية ، وقد صارت جمهورية الصومال خبر كان ، وما زال الدول المرشحة للتصدع كثيرة ، ولكن هذا لا يعني نهاية التاريخ ، بل يعني بداية مرحلة جديدة تعلن وفاة الدولة الحديثة الموروثة من الإستعمار ، وفشل مشروع سايكس بيكو المبني على رؤية المصالح الغربية ، ومن هنا يأتي سؤال محوري ، من يصنع المستقبل ؟ هل ثمة مشروع غربي جديد يحاول رسم خريطة جديدة ؟ وهل هذا يمكن اليوم مع وجود الصراع الصفري في المنطقة ؟ وما موقف النخب من الأمة في هذه المرحلة الجديدة ؟ هل نستمر في إنتاج الخطاب التراثي من قبل الإسلاميين ؟ والخطاب الإستنساخي من قبل العلمانيين ؟ أم هل نتمكن من إنتاج خطاب موضوعي لمشكلاتنا الموروثة من الإستعمار ، والإستغفال ، والإستحمار ؟

ما ملامح المرحلة الجديدة ؟ وما الفقه المطلوب لهذه المرحلة ؟ وما ذَا عن النخبة المطلوبة لهذه المرحلة ؟ كل ذلك في مقال قادم بإذن الله .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة