حوار حول الصومال

حوارات عامة
خيارات
حوار حول الصومال

توجه موقع من أجل الصومال بالدعوة للحوار مع الأستاذ عمرو محمد عباس محجوب, وهو كاتب وطبيب من السودان, مهتم بالشأن الفكري والثقافي له أعمال

كتابية منها الرؤية السودانية,الدولتية:المصلحة الدائمة ام المبادئ الدائمة,السندلوبة(رواية), كما أن له مقالات ودراسات في مواقع منها سودان اونلاين,الحوار المتمدن,من أجل الصومال, عمل سابقا كطبيب في مستشفى الجمهورية بمدينة عدن في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية,والعمل في مركز ود مدني الصحي بالسودان وكمستشار في منظمة الصحة العالمية.

وقد خصص موقع من أجل الصومال هذا الحوار مع الدكتور عمرو محمد عباس,للحديث عن واقع تجربته ذات الصلة بالصومال, فجاء الحوار بصورة التالية:

1- بدايات إطلاعك عن الشأن الصومالي متى وكيف كانت ؟ وبغض النظر عن زيارتك لصومال فيما بعد.

رغم العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين فقد كان تعرفي الشخصي على الصومال عبر التواصل الفني، فقد كانت هناك زيارات لفرق فنية بين البلدين واذكر منهم الفنانة حليمة والتي اشتهرت احدى اغنياتها وكان مطلعها "صومالية سو مليح " او شيء من هذا القبيل وتغنى بها عديد من الفنانين السودانيين انذاك. ما ميز الاغنية الصومالية ايقاعها الراقص وغناها الطربي. واعتقد أن الاغنية الصومالية قد أدت لتأثيرات ايجابية على الاغنية السودانية، خاصة في ادخال ايقاعات سريعة بدلاً من طابعها العام البطىء والرتيب لانشغالها الاكبر باغاني فراق الحبيب والحزن والشجن.

المرحلة اللاحقة كانت في العلاقة مع أحمد عوض سالم الشهير ب "احمد ربشة" والذي حمل وصف "قيثارة الاجيال"، الذي غيبه الموت بلندن عام 2002. تخرج ربشة من معهد الموسيقى والمسرح في السبعينات، وعاش في السودان، جزءاً من فناني المرحلة، واحد اطراف حلقة المثقفين في السبعينات وجسراً للتواصل بين السودان والصومال، ناقلاً نفحات مقديشو عندما كانت مدينة للحب والسلام.

طوال الثمانينات اختفت الصومال من حياتي العملية حتى وصولي للامارات في منتصف التسعينات حيث عملت مع د. محمود وهو اخصائي علم الوبائيات في ادارة الطب الوقائي بالعين، ورغم صداقتنا المتينة فقد تحاشينا الحديث عن بلدينا فقد كانت ترزحان في اتون الحرب الاهلية وقد اناخ الاسلام السياسي على كلكلنا، وكانت الصومال آنذاك حديقة خلفية لطموحات د. الترابي الامبراطورية الاسلامية، وأصبحت في مخيالنا السياسي جزءاً من مجال سيطرة الاسلام السياسي. لكن كنت قد بدأت الاحظ توافد المئات من الصوماليين للامارات كجزء من هجرتهم الكبرى.

2- زيارتك لصومال متى كانت زمنيا؟ وما دافع الزيارة؟

بعدما التحقت بمنظمة الصحة العالمية عام 2002 بمكتبها بالقاهرة، كانت ضمن دول منظمة شرق المتوسط وتقع في نطاق مسئولياتي في الادارة التي اعمل بها. بشكل ما لم تكن الصومال سوى دولة ضمن مهامنا، لكنها في نطاق ضيق من بعض الادارات، ليس منها ادارتي. ويمكن ان اقول بوضوح أن المنظمة كانت في واقع الحال المسئول الاول عن الصحة عبر مكاتبها المنتشرة في كل ارجاء الصومال. كنا نقترب من الصومال عبر الوثائق او الزيارات التي يقوم بها المسؤولين الصحيين من الاقاليم الصومالية الثلاثة. استمرت هذه الحالة من التعامل مع الصومال في اولويات البلاد حتى منتصف العقد الاول من الالفية.

ارتبطت زيارتي الاولى للصومال، وكانت لمكتب المنظمة في نيروبي، بوضع برنامج صحي بتمويل من الاتحاد الاوربي وتعيين ضابط برامج مقره نيروبي لإدارة المنحة. سوف تكون هذه التجربة اقتراباً أخراً، الاولى في افغانستان، من اثر التمويل الاجنبي في العمل الصحي لبلادنا وكيف رغم أنها تساهم في انقاذ الحياة، تساهم بشكل اكثر فاعلية في اضعاف القدرة المحلية في ادارة شئونها، تخلق مجموعة منتفعة من المحليين تسيطر على العمل وتنتشر فيها الفساد والنهب.

كجزء من المنحة نظمت دورة تدريبية ضمت حوالي 25 من المسؤولين المحليين من الاقاليم الصومالية الثلاثة حول ادارة الخدمات الصحية مع التركيز على العمل في مناطق النزاعات. تمت الدورة في مركز الملاريا في ودمدني عاصمة ولاية الجزيرة، لمدة اسبوع. كانت هذه الدورة مدخلاً ممتازاً لتعرف الصوماليين على السودان لاول مرة لهم جميعاً وفرصة كبرى لي للتعرف عليهم وعلى المعطيات الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، كمدخل لزياراتي اللاحقة.

3- الجغرافيا التي شملتها زيارتك لصومال, أين شملت؟ وإنطباعتك الخاصة عن هذه الجهويات؟

جاءت الزيارة في حوالي عام 2007، وارتبطت أيضاً بتجهيز مشروع لرفع قدرات النظام الصحي الصومالي بتمويل من الاتحاد الاوربي واتيح لي لقاء الكثير من السياسيين الصوماليين في نيروبي من بينهم وزيرة الصحة آنذاك وكان اسمها السيدة قمر. المفيد في هذه الانشطة انها تتيح لك التعرف على دقائق الحياة في الصومال، والصوماليين داخل وخارج بلادهم.

شملت الزيارة ارض الصومال، بونتلاند وبيداوه. يمكن بشكل عام التحدث عن استقرار نسبي في الاقليمين الاولين، مع توتر شديد في جمهورية الصومال. واصف الاقليمين انهما بلدين افريقيين عاديين كما في الخرطوم، اديس ابابا او غيرها، اختلافها هي اختلافات كمية وليست نوعية وترتبط بفقر الدولة وسوء الادارة كما في كل مكان، وهي في انتظار رؤية لتقدمها.

4- الواقع السياسي الصومالي في ظل زيارتك كيف كان حينها؟ وكيف رأيت الواقع الثقافي الصومالي يومها؟

كانت تلك الايام وقتاً ساد فيه تفاؤل كبير بامكانية ان تستطيع الصومال الخروج من ازمتها السياسية، فقد تكون البرلمان وتم اختيار رئيس للجمهورية وحددت مكان عملها في بيداوه. تمت مناقشات مكثفة بين العواصم وشتات الصوماليين، شملت مناقشات التوحيد في دولة مركزية وعودة الاقاليم للتوحد.

ما لفت نظري في احاديثي مع مجموعة الدورة وانطباعاتي في زياراتي، أن هناك تصوراً غير موضوعي وغير حقيقي عن درجة انهيار هذه المجتمعات ووصفها باوصاف مبالغة في توقف الحياة. هذه الصورة هي المنطبعة في ذهن صومالي الشتات وهو جزء من تعزية الذات والتعويض النفسي لوجودهم في الخارج. الحياة في تلك المدن آنذاك كما رأيتها تسير وسط ظروف قاسية هي ديدن العواصم الافريقية، تلائم معها الشعب الصومالي الموجود فيها واستطاع تطويرها والحفاظ عليها باشكال مبدعة. فقد كانت في كل المدن الصومالية، حتى مقديشو، نظام اتصالات وتحويل اموال فعال، سهل ورخيص بشكل مذهل.

سوف اتعرض لهذه التجربة عندما عدت للسودان بعد اغتراب طال لعقدين، وأنا احمل نفس التصورات ووجدتها صورة مصنوعة لتبرير وجودي بالخارج. لقد هجر الصوماليين بلادهم تحت نفس الدعاوي ( وهذا ليس حكماً او موقفاً ضد الاغتراب)، وغرقوا في نوستالجيا صومال لم يعد موجوداً، لكن نسوا أن هناك صومال موجود في المستقبل. هذا الصومال حقيقي ولن يحققه اخرون لكن النخبة الذين عليهم عبء تحقيق هذا الحلم.

5- الإشكاليات التي أطلعت عليها في هذا البلد على صعيد الحياة العامة، فيما تختزلها؟

لا اميل لاعطاء الحياة العامة في الصومال اشكاليات مختلفة عن مشاكل الحياة في بلد لازالت تسيطر عليه القبلية وقد اججتها الحروب الاهلية، وكل مشاكل بلادنا جذرها سياسي لكنها تتحول لطائفية قبلية، ففيها يلجأ الناس لاشكالهم الادنى لحمايتهم وتدبير امور حياتهم. يؤثر غياب الدولة بشكل حاسم على حياة البشر وقد استطاعوا ابتداع اشكال معقولة من الإدارة، لكنها تعاني من عدم استقرار شديد وهجرة ونزيف مستمر. كما في اغلب افريقيا يمثل الفقر وسوء توزيع الثروة القليلة الكارثة المحدقة بالمجتمعات.

6- هل أمكنك تلمس روابط ثقافية مشتركة ما بين السودان والصومال في ظل وجودك القصير في الصومال؟

رغم الانقطاع الطويل بين الصومال والسودان فقد شهدت اوائل التسعينات وجوداً مكثفاً لعناصر الاسلام السياسي سواء في الجانب السياسي، واغلبهم ضمن شبكة منظمات الاغاثة الاسلامية، وقد لعبت في مجملها دوراً تخريبياً وكانت أساس تصاعد ونشوء المنظمات الارهابية في الالفية. سوف يحتك الشعب الصومالي بالعديد من السودانيين الذين عملوا في المنظمات الدولية المختلفة.

في القاهرة عمل معي عدد من الصوماليين، وكان يعيش معي في مدينة الرحاب عدد اكبر. كانوا متصلين بشكل كبير مع بعضهم البعض وربما هم الاقرب للسودانيين في ظاهرة التداخل الاجتماعي الكثيف، ولكن كان اثر الحرب الطويلة عليهم حاسماً في "ظاهرة الجيتو" في المجتمعات التي عاشوا فيها. اغلب من جاءوا لمصر أتوا من اوربا وامريكا عندما بلغت بناتهم سن المراهقة، ليلتحقوا بالمدارس العربية ويتعرفوا على الاسلام. أيضاً سوف الاحظ أن النساء داخل الصومال يحافظن على زيهن التقليدي الملون، بينما تخلت المرأة في مصر وغيرها عنه واستبدلته بالعباءة والنقاب، وصاروا اكثر محافظة واتخذوا ما اسميه بمظاهر " التدين الشكلي". هذه كلها ظواهر مشتركة مع السودانيين في غربتهم.

7- الفرق بين الواقع الصومالي اجتماعيا,اقتصاديا وسياسيا في تلك الفترة ومقارنته بالراهن كيف تراه؟ ومن خلال قراءتك الفكرية والثقافية.

اعتقد ان تطور الفضاء السياسي في الصومال ارتبط بشكل وثيق بتطور حركة الاسلام السياسي في المنطقة، التي اعتبر أن الدول الاسلامية الطرفية من افغانستان، الباكستان، الصومال، كاولوية دينية تحتاج لإعادة ادخال الاسلام فيها وكمركز للانطلاق للدول الاخرى. بسقوط طالبان، تقليم اظافر النظام السوداني وغيرها، فقد شهدت تلك الفترة هي ضعف الاسلام السياسي في مراكزه، لذلك كانت الفترة تتميز بصعود الليبرالية والديمقراطية . انعكس ذلك على الوضع في الصومال، اصبحت في صلب اهتمام المنظمات، بعد طول اهمال، الدول المانحة وتكوين حكومة. سوف تستمر هذه الروح لفترة امتدت لعقد كامل، لتتلاشى مع تصاعد التشدد والارهاب في المنطقة في العقد الثاني من القرن الحالي، وسوف تبدأ في النهوض مع اندثار الاسلام السياسي وسقوط رؤيته.

8- الصومال كبلد ممزق منذ انهيار دولته المركزية في عام 1991, فما أبرز المعضلات التي تراها أنها تمثل كعائق أمام عودة الحياة الطبيعية لهذا البلد؟

غير المعضلات البنيوية من مثل القبلية، الارهاب وانهيار البنيات الاساسية، اظن أن العوائق الحقيقية تتمثل في مشكلتين. اولهما التدخلات الدولية والاقليمية في الصومال، فتاريخ انهيار الصومال كان أساساً نتاجاً لهذه التدخلات. لست بهذه الخبرة في الصومال لكن من دراسة الواقع السوداني فقد كان جزءُ كبير من مشاكلنا من هذه التدخلات، واترك لك التوسع في هذه النقطة. ثانياً الدور الضار للشتات الصومالي في الشأن الداخلي الصومالي وكلها مرتبطة بمراكز تمويل واجندة مختلفة. يؤدي هذا لتداخل المصالح وتناقضها وصراعات النخبة من الخارج، هذه النقطة تحتاج أيضاً لمقاربة تؤكدها او تنفيها. سوف اتناول انهيار البنية في سؤال الاستشراف.

9- الحياة الثقافية الصومالية في الراهن كيف تراها من خلال متابعتك؟

من الصعب تناول هذا الموضوع إلا كملاحظات عامة في اسئلة سابقة، واحاول الالمام بها عبر مقالات في موقعكم ولكن ليس لدرجة التنظير حولها.

10- في عقود سابقة كان هناك تواصل ثقافي صومالي- سوداني, وإن كانت القنوات الرسمية فرضت وجوده, فكيف ترى هذا التواصل حاليا؟

سبق أن اشرت في مقال سابق في موقعكم عن الجذر الشديد في تواصل السودانيين مع جيرانهم واشقائهم، كجزء من الانغلاق الفكري العام، حصار الاجهزة الامنية لأي تواصل مع الاخرين غير نظام الاسلام السياسي والركود العام. ما هو أساسي وثابت أن هناك تشابهات وتقاطعات كبيرة بين الشعبين، تظهر بوضوح في بلاد المهجر، وشعور القلة من الصوماليين الذين يحضرون للسودان في دورات تدريبية، في الجامعات او غيرها بأنهم في اقرب شيء لبلادهم.

11- الرؤية الاستشرافية التي ترى أن الضرورة تتطلبها لمستقبل الصومال, كيف تقدمها؟

لست في قدرتي سوى اعطاء اتجاهات عامة، وانا على يقين ان النخبة الصومالية مؤهلة تماماً للوصول لرؤية تصنع مستقبلاً لهذا البلد العزيز. اعتقد أن هذا يبدأ بمجموعات من النخبة، وهي موجودة في اعتقادي، تبدأ في تحليل اجابة عن السؤال: اين نحن الان؟ عبر قراءة تاريخية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية وثقافية. مع توفر نوع هذا التحليل سوف يطرح سؤال إلى أين نريد الذهاب وكيف؟. هذا التحليل بحاجة لقراءات كثيرة وحوارات اكثر. اهمية هذا العمل هو أن يبنى على المساهمات الصومالية.

هذا ليس عمل النخبة في المغتربات، وأن تم سوف يصبح جهداً نظرياً مقدراً، لكنه لن يمضي اكثر من ذلك. هذا عمل وبحث يستوعب الكيانات المجتمعية في داخل الصومال وخارجه من منظمات نسائية، شبابية، احزاب، مجتمع مدني. هو عمل نضالي حركي. من اهم معوقات البدء بهذا العمل هو اعتباره اولوية تستدعي الاستقرار. لن يتحقق الاستقرار وهزيمه الارهاب سوى بالتوصل لرؤية مشتركة. يمكن عبر الرؤية المشتركة الوصول لتحديد مهام الفترة الانتقالية وقضاياها والاتفاق على الاولويات والتركيز عليها، كما سوف تتحدد السياسات التي سوف تتخذ لحل القضايا الاسعافية العاجلة، ومن ثم تلمس قضايا الفترة المتوسطة.

التصدي لانهيار البنيات الاساسية ليس ترفاً يترك للزمن او استقرار نظام، هذه من أساسيات اعادة الثقة بين الشعب داخل الصومال ونخبته. هذه دراسات مستقلة، ولن تتطلب اعادة اختراع العجلة، فالمنظمات الدولية درست الصومال مراراً وتكراراً وتتوفر مجلدات حولها كثيرة. القضية ليست في دراستها، لكن في امساك الشعب بها ومعرفته بتفاصيلها وجعلها جزءاً من اجندتها اليومية.

من المدهش أن تتوفر للشعب الصومالي اقليمين بهما استقرار طويل، وأن تكون البداية لدي أي سياسي الدعوة للوحدة. التوحيد عبارة عن برنامج لابد ان تتضح ملامحه. رغم جهلي بالاشكالات التي تحيط العلاقات بين الاطراف الصومالية في الاقاليم الثلاثة، سوف كنت سابدأ ببدء انشاء الجيش الصومالي في اقليم صومالي لاند ويلتحق به من الاقاليم الاخرى. هذه مجرد خاطرة لفتح اتجاهات حوارات الساحة.

- حاوره:خالد حسن يوسف

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة