الديمقراطية ... هل هي كفر؟

آراء و أفكار
خيارات
الديمقراطية ... هل هي كفر؟

في عهد قريب كنت لا تسمع الديمقراطية إلا وهي مدانة، وكان بعض الإسلاميين يتعرضون للديمقراطية وكأنها الكفر المبين، وكانت عندهم

من كبائر المحرمات ومن موبقات الآثام، كثيرون حينها اتخذوا موقفا مضادا لا لأنهم بحثوا المسألة بعمق ولكن لأنهم عايشوا مع تلك الهجمة الشرسة التي كانت تحاول النيل من الديمقراطية، اليوم قلّ وأن ترى مثل ذلك الهجوم وقلَّ أن تسمع مثل ذلك النقد، ما السبب في ذلك؟ هل تغيرت المواقف؟ أم تغيرت المفاهيم؟

لا شك أن تغييرا ما قد حدث، ولكن السبب الذي جعلني أكتب في المسألة هو أنني صادفت قبل بضعة أيام تغريدة ثورية لأحد الإخوة المتدينين حذّر فيها كثيرا عن مغبة السقوط في مهلك الترويج للمذاهب الهدّامة الضّالة والكافرة ـ حسب قوله ـ والتي من أولها الديمقراطية، والغريب هو أن صاحبنا هذا يعيش في كنف الديمقراطية وفي ظل بلد يعتزّ بديمقراطيته.

فكّرت في المسألة كثيرا وتساءلت ما الذي يجعل شخصا ما مثل ذلك الأخ يعيش في مثل هذا التناقض (الشتم والنيل من الديمقراطية بالمقال “لسان المقال” والرضاء بها في الحال “لسان الحال”؟)

لا شك أن أزمة أخينا هذا ومن يجاريه في الحال تتمثل في وجود خلل معرفي عميق في الخارطة الإدراكية للأخ ومن يشبهه، وعليه أردت أن أبسّط بعض القول تجاه مسألة شائكة، وقد لا تسعفني الكلمات في أن أقول في المسألة كل المراد ولكنني سأجتهد في مقاربة لبّ الموضوع قدر المستطاع.

ما الديمقراطية؟

بعيدا عن التنظير الفلسفي أو التدقيق الأكاديمي نقول الديمقراطية في جوهرها مبدأ وفي شكلها آليات، أي أن الديمقراطية فكرة في العمق وآليات في الشكل، وعليه نوضح الفكرة الجوهرية أولا، ثم نذكر الآليات.

الفكرة الجوهرية في الديمقراطية

الفكرة الجوهرية في الديمقراطية هي أن الشعب سيد في اتخاذ قراراته المصيرية المتعلقة بالشأن العام، الفكرة هذه وإذ تعطي للشعب حق السيادة في شؤونه العامة تسلب في الوقت ذاته هذا الحق عن ما سوى الشعب، وما سوى الشعب هنا ليس الله وإنما جزء من الشعب، ولكي تتضح الأمور أكثر يجب أن نفهم الفكرة وفق تتبع سياق نشوئها، فكرة الديمقراطية نشأت في سياق وضع كان الشعب فيها مكبلا بأغلال الاستبداد، والاستبداد في أبسط معانيه يدل على سيادة حفنة قليلة من الشعب على مصير بقية الشعب كله، وعليه جاءت الفكرة هذه لتسلب هذا الحق من تلك الفئة الباغية والتي هي “نفر من الشعب” لتعيده إلى كل الشعب والذي هو المالك الحقيقي والأصلي لهذا الحق.

سيادة الله أم سيادة الشعب؟

في رأيي لا تداخل بين السيادتين فالشعب سيد فقط فيما هو في استطاعته وعليه نقول أن الشعب الذي هو (مجموع الأفراد القاطنين في بقعة معينة) مخير في تسيير أموره العامة وليس مجبر، فللشعب أن يختار بين الخير والشر وبين الحق والباطل وذلك فيما هو في تصريف شؤونه العامة، وحرية الاختيار هذه تمثل مناط التكليف في الشرع فلا تكليف بدون حرية، فكرة أن الشعب حر في اختياراته ليست كفرا بحد ذاتها وإنما الكفر أن يختار الشعب حريته تلك بالكفر!!، ولو كان الكفر يلزم من حرية الاختيار لكان الإيمان بحد ذاته كفرا لأنه لا إيمان بلا اختيار، الديمقراطية تؤكد هذه الفكرة (حرية الشعب في اختياراته) ولا علاقة لها بمآلات الفكرة، فلا يوجد في الديمقراطية مبادئ أو قيود تجعل الناس يختارون الكفر، الديمقراطية تجعل الناس يختارون (الحقيقة أن الله جعلهم مختارين، وإنما الديمقراطية تؤكد ذلك)، أما ماذا يختارون فلا علاقة للديمقراطية بذلك، الديمقراطية أكدت فقط ما أكده الشرع وهو أن الإنسان حر في اختياراته، وله أن يختار ما بين الحق والباطل (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا).

من التقريرات الساذجة التي ربما قد تسمعها عن بعض من ينتقدون الديمقراطية أن الديمقراطية تبيح الزنى واللواط والعري والفسق والفجور هذا الكلام لا يصح؛ لأننا أكدنا في السابق أنه لا علاقة للديمقراطية في مضمون ومحتوى الاختيار وإنما تؤكد فقط وجود الاحتيار، وقد ذكرنا في السابق أن وجود الاختيار لا يلزم منه وجود أو اختيار الكفر.

ما نريد أن نؤكده هنا هو أن الحرية تمثل بعدا وجوديا في الإنسان وأنها أي الحرية تمثل أعظم القيم شأنا، لأنه في الحقيقة لا إنسان بدون الحرية، الإنسان إنسان؛ لأنه حر وإلا لأصبح مثل بقية الحيوانات التي تقودها غرائز الضرورات، الديمقراطية تؤكد هذه القيمة الجوهرية في الإنسان.

ماذا عن قطعيات الوحي ومطلقات التشريع؟

لا يوجد في الديمقراطية مبدأ أو فكرة أو إجراء يصادر حق الناس في الإيمان بقطعيات معينة مادام أنهم آمنوا باختيارهم هم، ومن لم يؤمن بالاختيار آمن بالإجبار والمؤمن بالإجبار لا إيمان له أصلا، إن تقرير حرية الناس لا تعني تقرير أن الناس مشرّعون بالضرورة فمن آمن بتشريع الله سيلتزم بمقتضبات هذا الإيمان والتزامه بمقتضيات هذا الإيمان التزام ديمقراطي؛ لأنه التزام اختياري وليس إكراهي.

الآليات الديمقراطية

مع أن الديمقراطية تؤكد حرية الناس في اختياراتهم العامة إلا أنها تركز أكثر على تأكيد حرية الناس في اختيار قرارتهم المتعلقة بالشأن العام وخاصة الشأن السياسي، وعليه توجد خمس آليات ديمقراطية تضمن تحقق هذا المبدأ على الواقع المعاش،هذه الآليات هي آلية صياغة الدستور، وآلية تشكيل وتكوين الأحزاب، تليها آلية الالتزام باختيارات الأغلبية، لتأتي بعدها آلية التفويض والتمثيل النيابي، وأخيرا تأتي آلية الفصل بين السلطات.

عبدالله علي محمد

المصدر:الشاهد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة