قراءة أولية لدلالات انسحاب بريطانيا من البيت الأوروبي

آراء و أفكار
خيارات
قراءة أولية لدلالات انسحاب بريطانيا من البيت الأوروبي

مقدمة :

في هذه القراءة سنحتاج إلي نوع من الهدوء الفكري لمناقشة هذا

الموضوع الخطير في حياة أوربا ، وفي حياة البريطانيين ، وكذلك في حياة المواطنين البريطانيين من أصول غير انجليزية من العرب والأفارقة والآسيويين بل حتي وغيرهم من الأوربيين الذين توافدوا علي هذه الجزيرة التي حكمت العالم يوما ، وكانت دولة لا تغيب عنها الشمس ، ولكن السؤال ، هل بدأت تثور علي الوضع القديم لترجع إلي ما قبل ( ٤٠٠ ) عاما ، أم في المسألة ما هو أخطر من ذلك بكثير ؟

لدينا ، نحن المسلمين مشكلة في قراءة الأحداث الهامة ، والخطيرة ، وتكمن هذه المشكلة في ثلاثة أبعاد :

١- القراءة العاطفية والسريعة للأحداث ، وهي مرتبطة دوما بما نريد ، لا بما هو الأمر عليه ، ومن هنا نصدر أحكاما قوية في أحداث تتكون ، ولم تنته بعد ، وليس هذا دعوة أن نتوقف من القرأة المتعلقة بعلم التنبؤات ، ودراسات المستقبليات ، ولكني أرفض من حيث المبدأ أن نقرأ الأحداث الكبري في العالم المعاصر بلغة عاطفية ومرتجلة .

٢- لدينا مشكلة توصف بالقراءة الأيديولوجية للأحداث ، وهي كذلك تحمل في طياتها أحكاما مسبّقة ، قد لا تتناغم مع القراءة الموضوعية للأحداث ، فإننا نحتاج حين نريد أن نتناول موضوعا خطيرا بحياة الدول وماساراتها إلي قراءات واسعة تحيط بالأمر كله ما استطاعت إلي ذلك سبيلا ، ومن هنا يجب أن نتحرر من السعادة المطلقة حين نسمع خروج دولة ما من منظومة ما نراها معادية لأسباب مرتبطة بالتدافع السياسي والحضاري .

٣- نعاني في قراءتنا للأحداث الكبري في التاريخ من من مشكلة الهروب من الواقع ، والذهاب إلي الأمام ، وكأن مشكلات الآخرين تحمل لنا حلا من المشكلات التي نعانيها في بلادنا ، وهذا القراءة تصنع إنسانا منتظرا ، وليس مبادرا ، فأنا من المؤمنين بأن جزءا هاما من مشكلات منطقتنا مصنوعة في أوربا ، وكانت بريطانيا سيدة لا تضاهي في هذا الباب ، وأرشيفها دليل صارخ علي ما نقول ، ولكن الجزء الأكبر من مشكلات المنطقة مصنوعة بأيدي أهلها الذين خرجوا طواعية من ميدان الفاعلية ، واختاروا أن يكونوا أعضاء شبه أبديين في نادي المفعول به .

بريطانيا قوة وضعفا .

-------------------

إن المملكة المتحدة تملك قوة سياسية ورثتها من تاريخها القديم ، وذكاءها المفرط في التعامل مع الملفات الساخنة ، فهي دولة خرجت بأقل الخسائر من الصراع الديني العلماني ، فما زال الدين متعايشا مع النظام العلماني الأنكلوسكسوني بخلاف العلمانية الشاملة الفرنسية ومن تأثر بها من الشعوب في العالم ، كما أنها خرجت من عهد الإستعمار ولحظته كذلك بنوع من الذكاء ، فقد مهدت في المرحلة الإخيرة من أفول دولتها إلي إعداد البديل ، فكانت الولايات المتحدة التي خرجت من الحربين العالميين بسلام وعافية مهيأة لخلافة بريطانيا في سيادة العالم ، وليس خافيا بأن الولايات المتحدة تميل امتدادا لبريطانيا في ثقافتها ولغتها ، بل وفي القرب العرقي والحضاري ، كما أنها تمثل اليوم مرجعا لكثير من الأزمات حيث تملك في جعبتها التاريخ والأرشيف ، ولا ننسي أن لغتها صارت هي الأولي نطقا في العالم ، فكل هذا يجعل هذه الدولة قوية ، ولديها ما يجعلها تستمر ، ولو ببطء بعد انسحابها من البيت الأوربي .

نعرف بأن التقارير الدولية تشير بأن بريطانيا هي سادس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الانتاج ، وتحتل السادس كذلك من حيث تعادل القدرة الشرائية عالميا ، والثاني في أوربا بعد ألمانيا ، وهي الثاني في العالم من حيث تواجد المال في دارها بعد الولايات المتحدة ، فما زالت لندن تمثل البلد الآمن لجذب الأموال ، فهي أكبر مركز مالي في العالم ، وذكرت دراسة نشرتها جريدة الشرق الأوسط بأن بريطانيا ستكون أكبر قوة اقتصادية في أوربا في عام ٢٠٣٠م وستكون متفوقة بهذا علي الاقتصاد الألماني ، ولكن الذي لا شك فيه بأن بقاء بريطانيا في داخل البيت الأوربي أفضل بكثير إقتصاديا وسياسيا من الإنسحاب منها ، ذلك لأن المحللين الاقتصاديين يتوقعون للاتحاد الاوربي وبريطانيا معا خسائر فادحة توكد لهما حدوث ركود اقتصادي كبير نسبيا ، وأن تراجعا خطيرا سوف يحصل للجنيه الاسترليني في الشهور التي تلي الإنسحاب ، كما سيحصل من الآن فصاعدا حسب التحليل الاقتصادي من الخبراء نموا بوتيرة بطيئة ، وسيكلف بريطانيا هذا الانسحاب خسائر تقدر بنحو ٢٢٤ مليار جنيه إسترليني ، وهذه الخسائر لن تكون خاصة بالمملكة المتحدة وحدها ، وإنما تتعدي لتطال علي الاتحاد الاوربي ذاته ، فقد ذكرت دراسة صدرت من منظمة ( برتلسمان ستيفتونج )الألمانية : أن الاقتصاد الألماني سوف يتكبد خسائر تتراوح قيمتها من ٦ مليار إلي ٤١ مليار جنيه إسترليني ، وهذا يحصل حينما تخرج بريطانيا من الاتحاد الاوربي ، وسيكون الضرر أشد علي أيرلندا ولوكسمبورج وبلجيكا ومالطا وقبرص ، كل هذه الدول سوف تواجه خسائر تزيد علي المتوسط .

لماذا قرر البريطانيون الإنسحاب من البيت الاوربي ؟

من المعلوم بداهة بأن البريطانيين قادوا سفينة العالم مدة طويلة ، وذلك عن طريق المباشر أو عن طريق غير مباشر ، ولديهم تجربة ثرية في التعامل مع المتغيرات الدولية ، كما أن سياسة بريطانيا معروفة بما يسمي ( بطيئة ، ولكنها أكيدة المفعول ) فهي من جانب تتصف بالسلحفاتية ، كما تتصف من جانب آخر بالحذر وأخذ الحيطة ، فهي سياسة ذكية نوعا ما ، تنزع نحو الثبات ، ولكن ما لا بد من ذكره بأن غالب البريطانيين لا يحدون أنفسهم في داخل البيت الأوربي ، بل يحدون ذاتهم أكثر في داخل البيت الأنجلوساكسوني ، ولهذا كان يري ديجول بريطانيا امتدادا للولايات المتحدة في داخل البيت الأوربي ، ومن هنا كان لا يستريح منها ، بل كان يدعو وحدة أوربية خالية من بريطانيا ، كما أن عالم القوة يوحي لبريطانيا أن قوتها ليست من أوربا ، وإنما من خارج أوربا خلافا لفرنسا وألمانيا الذين يستمدان قوتهما من القارة العجوز ، ولهذه الأسباب كانت قدما بريطانيا موزعتين ، إحداهما في البيت الأوربي ، والثانية في النادي الأنجلوساكسوني ، فلم تصبح يوما ما عصوا في اتفاقية شيغن ، ولا في منطقة العملة الواحدة ، فيري البعض من المحللين بأن هذه الخطوة التي أخذتها المملكة المتحدة سابقا كانت استجابة لرؤية بريطانيا لنفسها .

سياسيا ، لن تكون بريطانيا أفضل بعد الإنسحاب ، وكذلك اقتصاديا ، ولكن الواقع الأوربي يتحدث عن مشكلة كبيرة لا تجد حلا في المستقبل المنظور ، وهي أن الدولة المعاصرة في شكلها الحالي دخلت في مرحلة الأزمة مفهوما ، واستمرارا ، ولهذا يتحدث كثير من الخبراء بأن العالم سوف يشهد في العقدين القادمين أزمات متلاحقة أدناها ، سيكون انهيارا لدول كبيرة ، وأعلاها وقوع حروب في مناطق النفوذ لإجل الحصول علي فرص البقاء في القمة ، ومن هنا بدأ التنافس ما بين الآقوياء لهذا الهدف ، وهذا النوع من الانسحاب ليس بعيدا عن هذا التوجه ، كما أن الغرب اليوم يعاني ، ومنها بريطانيا ازمة في ( القيادة ) ، فأغلب من يقود الدول في العصر الحديث ليس علي مستوي تشرشل ، وديغول ، فالجميع يعاني من غياب الشخصيات الكاريزمية ذات الوجود المعنوي في مفاصل الحياة ، وتعاني المؤسسات في داخل هذه الدول تفككا نتج من الشيخوخة التي أصابت الحياة ، فالدولة الأوربية تعاني عجزا كبيرا في التطور ، بل يحصل الآن نوعا من الردة عن القيم التي نتجت من انتصار العلمانية علي الدين ، فيحصل اليوم في أوربا ردة كبيرة في مجال حقوق الانسان ، فهناك في العقلية الحديثة إنسانان ، فهم يستخدمون بشكل كبير ، نحن وهم ، ولا يتعففون في استخدام كلمة ( البربر ) للآخر ، و ( المتحضر ) للغربي ، فقد تراجع العقل العلمي أمام العقل المصلحي ، ومن هنا يزداد الإحتمال من انهيار البيت الأوربي ، لأنه لم يكن من البداية ، كما يقول البعض مؤسسا علي قيم عالمي ، وإنما أسس علي مفاهيم مالية ، فكلما تري دولة ما أنها لا تجد مصلحتها من هذا البيت ، فإنها تقرر الانسحاب منها علي قاعدة الانسحاب البريطاني .

إن البريطانيين يشعرون الوحدة ، والاندماج مع الذات أكثر ، فهم عاشوا في جزيرة معزولة نوعا ، ولكنهم ليسوا نفسيا مستعدين للعيش الدأيم في هذه الوحدة ، فهم يتحركون نحو الآخر بحذر ، ولكنهم يبقون دوما بريطانيين ، ولكن السؤال المهم ، هل بإمكان هذه الدولة العجوز الصمود أمام التحولات الخطيرة في العالم اليوم ؟ وما ستفعل أمام دولة الصين التي بدأت تغزو العالم بشركاتها لتحل محل التاج البريطاني في القرنين الماضيين ؟ وماذا سيكون ردة فعلها امام روسيا الذي بدأت تعود إلي حلبة الصراع من النافذة بعد أن جمعت طاقاتها ؟ وماذا ستفعل حين تقرر إسكتلندا ، وويلز ، وأيرلندا الشمالية الخروج من التاج ؟ وقد عبرت رئيسة وزراء إسكتلندا عن ذلك بقولها ( نحن نري مستقبلنا صمن الاتحاد الأوربي ) ، ودعا سياسيون كبار من أيرلندا الشمالية إلي تنظيم استفتاء حول وحدة أيرلندا الشمالية بجمهورية ايرلندا ، ولهذا ستواجه المملكة المتحدة صعابا بالغة التعقيد في الأيام القادمة ، ولكن مما لا شك فيه أن الأوربيين سيبدؤون يوما جديدا مع هذا الفعل البريطاني ، ويجدون أنفسهم أمام دورة جديدة من الفعل السياسي بيد أن الغرب له حس رفيع في التآقلم مع المتغير ، وهذا ما تنبه له عمرو بن العاص رضي الله عنه حين حلل العقل الروماني ( الغرب ) وذلك بعد أن سمع الحديث النبوي ( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) ، فقد رفض الحديث في البداية ، ولكنه بعد أن علم صحة الرواية من الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ، قال بالحرف الواحد ، إن فيهم لخصالا أربعة :

- أنهم لأحلم الناس عند فتنة .

- وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة .

- وأوشكهم كرة بعد فرة .

- وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف .

- وخامسة حسنة جميلة ، وامنعهم من ظلم الملوك

فهذا التحليل السياسي من هذه الشخصية الهامة والموضوعي للغربيين في بداية النهضة الاسلامية دليل علي الفهم العميق للصحابة في ثقافة الشعوب ، ولكن هذا التحليل ليس جزءا من الوحي ، وإنما هو قراءة للوحي من رجل سليم الفطرة ، قوي البداهة ، شديد الحضور في مفاصل الحكم والسياسة ، والكثرة هنا ليست بالعدد ، وإنما هي بالقرار والنفوذ ، والزمن - ربما - ليس الآن ، وذلك لأن هناك أحاديث أخري في الملاحم لم تتحقق بعد ، وهي تأتي قبل هذا الزمن ، ولكن الحديث والتحليل معا يشيران إلي معني في الذات ، وهو محقق الآن في بعض مواصفاته بالحضارة الغربية .

هناك في العالم البوم موجة من التطرف ، التطرف الديني في العالم الاسلامي ، والتطرف القومي والعرقي الذي بدأ يكتسح الشارع في الغرب ، والتطرف الجنسي الذي لا يعترف الفطرة في الثورة الجنسية ، فنحن أمام مرحلة توصف بأنها خطيرة ، وتنذر من مآلات خطيرة في الحياة البشرية ، فربما ، يعود الاستعمار بشكل آخر ، وما يجري الآن في الشرق الأوسط من التحلل والتبدل والتراجع ينبئ بعالم أسوأ ، وليست أوربا بأفعالها اليوم بعيدة عن موجات التطرف التي تكتسح المناخ العالمي .

لا شك في أن انسحاب بريطانيا من البيت الأوربي ليس طلاقا بائنا ، ولكنه ليس كذلك طلاقا رجعيا ، فالمملكة المتحدة قررت الانسحاب نهائيا ، ولكنها لا تنسحب من القارة ، فهذا قدر ، وجزء من الجغرافيا السياسية ، ولكن الذي سيكون قائما بأن البيت الأوربي ليس قابلا للحياة في أسسه الحالية ، ففيه من الثقوب ما يجعله غير قابل للحياة بشكل سليم ، ومن هنا ، يكون الانسحاب البريطاني رصاصة في الجسم الأوربي بيد أنها ليست قاتلة ، وإنما هي تؤدي إلي جراحات بالغة .

في الأيام القادمة تحمل لنا مفاجآت كثيرة في السياسة الأوربية والدولية ، فنحن ومنذ زمن ليس بقريب ، نعيش لحظات شديدة التعقيدات والتغييرات .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة