رمضان ونظرة إلى المآلات ، التقوى هدف استراتيجي للصوم ( ٧ )

آراء و أفكار
خيارات
رمضان ونظرة إلى المآلات ، التقوى هدف استراتيجي للصوم ( ٧ )

١- في الفكر البشري الحديث قيمة

كبري يسعي الجميع إلي تحقيقها ، والحفاظ عليها بعد إيجادها ، ويضع لها الجميع القوانين التي تجذرها في النسيج الإجتماعي والثقافي ، وهي الحرية ، وفي القرآن الكريم ، نجد قيمة كبري يتحدث عنها الكتاب العزيز بإسهاب ، ويطالب الأمة في تحقيقها ، ويدعو إلي تكثيف الجهود حولها لتحقيق بناء مجتمع التقوي ، ومن هنا ذهب المفكر الرئيس في إيران الدكتور محمد الخاتمي بأن الفكر الغربي يهدف بناء أمة الحرية ، والفكر الإسلامي يهدف بناء أمة التقوي .

٢- في حديث سابق لنا ، أكدنا بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال أوامر السماء ، فكأننا ذهبنا إلي أن الحرية هي الطريق إلي تحقيق التقوي إسلاميا ، ورأيت من خلال دراستي للتقوي ومعانيه بأنه كذلك طريق للحرية ، فهما وجهان للشخصية المسلمة ، فلا حرية للإنسان المسلم ما لم يكن عبدا لله وحده ، وطريق العبودية لله هو تحقيق التقوي في الحياة ، وحينها فقط يتحرر المسلم من كل قيد سوي أوامر الخالق سبحانه وتعالي .

٣- الفكر الغربي يتحدث عن الحرية ، ولكن عن ماذا نتحرر ؟ ولماذا نتحرر ؟ ومن هو المستفيد من غياب الحرية عن الإنسان ؟ الغرب بدأ البحث عن الحرية في القرون الثلاثة الماضية ، وبدأ صراعه مع الطغياني الثلاثي ( الملوك ، ورجال الدين ، ورجال المال الإقطاعيين ) ، فهؤلاء كانوا ، وما زالوا هم المستفيدون من غياب الحرية ، ولهذا وجدوا الحرية في الفكر العلماني بشكليه ( العلمانية الشاملة ، والعلمانية الحزئية ) وقد تحققت التجربتان في فرنسا القائدة للعلمانية الشاملة ، وفي بريطانيا التي قادت العلمانية الجزئية ، ومن هنا استطاع الغربيون التحرر من وهم الطغيان الثلاثي بعد معركة مريرة مع هؤلاء ، ولكن في المحصلة النهائية وجدنا الحرية قد انتصرت عليهم جميعا ، ولهذا نجد الحرية كقيمة في الفكر الغربي مرتبطة بالإنسان ، وليست بالدِّين والمرجعية ، بل نجد اليوم في خطابات بعض المثقفين دعوة في أنسنة الدين ، بمعني أن ندرس الدين ذاته كظاهرة إنسانية غير مقدسة ، والسبب هو أن رجال الدين كمؤسسة كانوا وراء الطغيان الثلاثي في الفكر الغربي ما قبل العلمانية .

٤- الفكر الإسلامي يتحدث عن الحرية من خلال المرجعية ، ومن خلال النصوص ، ومن هنا يفترق الفكر الإسلامي عن الفكر الغربي في المنطلقات ، هناك حديث طويل عن ( الفرعونية الحاكمة ، والقارونية الكانزة ، والهامانية العميلة ) ، وكأن هذه الرموز الثلاثة في سورة القصص تمثل العقبة الكأداء أمام التحولات الضرورية لأجل الحرية في المسيرة البشرية ، إن هذه الرموز المشخصنة في قصة موسي عليه السلام تكاد تتكرر في كل المسرح الحياتي منذ فجر التاريخ بأسماء مختلفة ، ولكن المعاني تبقي في التاريخ لا تتغير ، ومن هنا كان الفكر الإسلامي الأول في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم واضحا في إعلان الخرب علي هذه الرموز الثلاثة حتي لا تفسد الحياة المسلمة ، ومن هنا رفض عمر رضي الله عنه خلق الطبقية في المجتمع في قصته المشهورة مع الصحابة عندما فتحوا سواد العراق ، وأرادوا تقسيمها اتباعا لسنة المصطفي صلي الله عليه وسلم في أمر خَيْبَر ، ولكن الفاروق الذي تشبع من الفقه الإسلامي رأي بأن ذلك سوف يكون طريقا خطيرا في تفتيت الأمة ، فيأتي من وراء العملية رجالا سيملكون الأرض وما عليها ، ومن تتكون الإقطاعية في حياة الأمة ، فقال كلمته المشهورة : أريد أمرا يسع أول الناس وآخرهم ، وهذه رؤية استراتيجية بعيدة المدي ، ولكنها تنطلق من الوحي وفلسفته ، وهو الذي قال لعمرو بن العاص :( متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا ) ، ولم تتأسس الدولة الإسلامية علي قيم غيبية ، وإنما تأسست علي قيم معروفة ومعهودة للجميع ، ومن هنا كانت البيعة عقد اجتماعيا في الأمة ، فقد رفضت الأمة الوصاية الدينية ، ولهذا كان الفقه الشيعي منذ البداية فقه الأقلية وليس الأكثرية ، ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله : عصمة الأمة تغني عن عصمة الأئمة .

٥- في نهاية سورة القصص خبر عجيب يختلف عن بدايتها ، نجد في البداية طغيانا فرعونية خطيرا في حياة الناس ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) ، هناك علو في الأرض ولكن علي حساب الناس ، بل ويري أن الهدف لا يتحقق له إلا من خلال استخدام أسوأ الوسائل والأساليب التي تجعل المواطنين رعايا خاصة لهذا الحاكم وزمرته ، وهو يستعمل كذلك أمورا أربعة ( هامان ، وهو شخص باع قيمه للحاكم ، والجنود ، وهم مجموعة مرتزقة يلبسون الزِّي العسكري خدمة للطاغية ، ورجال الأمن ليجعلوا البلد كله في خوف ، ورجال المال الذين يعملون للحاكم ظاهرا ، ولكنهم يخدمون لجيوبهم باطنا ) ، ولهذا قال الكتاب العزيز ( ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون ) وقال : ( إن قارون كان من قوم موسي فبغي عليهم ) .

هذا الحديث القرآني عن القصة العجيبة في الحياة البشرية انتهت في هذه السورة الرائعة من كتاب الله تبارك وتعالي بشكل يتناسب مع الوحي وأهدافه الكبري ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، والعاقبة للمتقين ) .

يعلن الكتاب العزيز أن التقوي مشروع أمة ، وليس مشروع وعظ في المنابر كما يحسب بعض مسلمي هذا العصر ، أو كما تشيع بعض الأنظمة الفرعونية في العصر الحديث ، فلا يمكن لأمة مسلمة تتجه نحو التقوي أن يتفرعن فيها الحاكم بلا رقيب عليه ، أو أن يكون فيها الفساد المالي بلا حساب ، ولن يكون رجل الدين وصيا عليها ، ومن هنا رفضت الآية الفساد المالي ( القاروني ) ، والعلو السياسي ( الفرعوني ) ، وجعلت البديل عن ذلك كله ( التقوي ) .

٦- التقوي هدف استراتيجي في شهر رمضان ( لعلكم تتقون ) ، السؤال هنا ، كيف يحقق الشهر الكريم هذا الهدف الإستراتيجي في الأمة ؟ ولكني أريد قبل ذلك أن أتناول بشيء من الإسهاب كيف تناول القرآن مصطلح التقوي ؟ وقد تحول المصطلح في حياة الأمة من مخبر أساسي في تكوين الفرد والجماعة إلي مظهر يعلن عن نفسه من خلال أشكال وصور .

في سورة البقرة ، أطول سورة في كتاب الله من حيث عدد الآيات ، وأضخمها من حيث الحشد التشريعي ، ؤأعمقها من حيث الحديث النفسي ، ولهذا كانت تلك السورة موصوفة عند بعض أهل العلم بأنها سورة التقوي ، وقد قرأت قبل خمس وعشرين عاما مقالا للشيخ الغزالي رحمه الله في مجلة الإعتصام الصادرة من مصر آنئذ مقالا جميلا حول السورة ، ووصفها بأنها سورة التقوي .

القرآن هو مشروع السماء لإنقاذ البشرية من الضياع ، ولهذا وجدنا في بداية سورة البقرة كلمة فاصلة في موضوع الهداية مرتبطة بالتقوي ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين ) ، والهداية نوعان ، هداية توفيق ، وهي من الله وحده ، وهداية الدلالة وهي بيد الأنبياء الدعاة والعلماء ، وأمر الهداية بصورتيه واضح في الكتاب العزيز ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) .

٧- في سورة البقرة حديث طويل عن الهداية المبثوثة في الحياة ، بدءا من التصورات والعقائد ، ومرورا بالأفكار والقيم ، وانتهاءا بالتشويع والأخلاق ، في الآية السابعة والسابعين بعد المائة من سورة البقرة نجد حديثا عن البر في المفهوم الإسلامي وشموليته للحياة ، ولكن الله تبارك وتعالي يذيل الآية بقوله تعالي ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ، وبعدها بقليل نجد الآية رقم ( ١٧٩) وهي تتناول الأحكام الجنائية في الفقه الاسلامي فيقول الله تبارك وتعالي ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) ، وبعدها مباشرة نجد قوله تعالي ( كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ، حقا علي المتقين ) ، فهكذا يكون السياق ، ومن هنا يكون الخطاب واحدا مع اختلاف المجالات والأحوال ، فإن التقوي كقيمة حاضرة في الضمير المسلم سواء كان الموضوع تصورا وعقيدة ، أو كان عبادة وأخلاقا ، أو كان تشريعا وقانونا ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) .

٨- لا يمكن بناء البيت المسلم بعيدا عن التقوي ، فإن أحكام الأسرة كذلك مبنية علي التقوي ( وللمطلقات متاع بالمعروف ، حقا علي المتقين ) بل وحتي في أخطر المراحل في الإستمتاع بالجنس ، فإنه لا بد من التقوي حتي نكون علي حذر من الخروج في مقتضيات الفطرة ( نساؤكم حرث لكم ، فأتوا حرثكم أني شئتم ، وقدموا لأنفسكم واتقوا الله ، واعلموا أنكم ملاقوه ، وبشر المؤمنين ) .

هكذا يكون التقوي حاصرا في حس المسلم وهو يبني البيت المسلم ( أَفَمَن آسس بنيانه علي تقوي من الله ) ، ولهذا ربط الله تبارك وتعالي قضايا الحياة الزوجية بهذه القيمة الكبري ، التقوي ، وتعني حضور الله تبارك وتعالي بقوته وعلمه وحكمته في الحياة ، ولأجل هذا وجدنا القرآن يذكر المؤمنين في سورة الطلاق بهذه القيمة كأساس في الحياة الزوجية بشكل خاص ، وفي الحياة كلها بشكل عام ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتوكل علي الله فهو حسبه ) .

إن القراءة الموضوعية للقرآن تجعلنا نتأمل في بداية سورة الطلاق التي تحدثت عن تفكيك الأسرة من خلال الطلاق وفسخ النكاح ، وربط ذلك كله بالتقوي حتي لا تصبح الآسرة لعبة في أيدي البشر ، ولكننا نجد كذلك في نهاية السورة حديثا آخر له علاقة بحديث الأسرة ، وهو تفكيك المجتمع ، وتدمير الحضارة ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ، فحاسبناها حسابا شديدا ، وعذبناها عذابا نكرا . فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . أعد الله لهم عذابا شديدا ، فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا ، قد أنزل الله إليكم ذكرا ) .

لا مجتمع حقيقي بدون أسر مؤمنة ، ولا يمكن أن نبني في الحياة أسرا مسلمة ما لم تكن لدينا قيما عليا ، والقيمة المهمة في تكوين الأسر هي التقوي ، والتقوي كما قلنا مشرع إسلامي ، ولهذا يجب علينا في شهر رمضان أن نستغلها في تجذير هذه القيمة في حياتنا حتي ننقذها من الخراب الفكري والحضاري .

٩- حين تكون الحياة بلا ضوابط ، فإنها تبدأ التفسخ والانحلال ، ومن هنا صار الخوف هو سيد الموقف في هذا العصر ، فالجميع في خوف من مآلات الحياة البشرية ، ذلك لأن الناس بدؤوا يتحررون من كل الضوابط التي تحمي إنسانية الإنسان ، فالشعائر الدينية من صلاة ونُسُك وصيام تؤدي كلها إلي التقوي ، والعاقبة لأهل التقوي ( وأمر أهلك بالصلاة واصْطَبِر عليها ، لا نسألك رزقا ، نحن نرزقك ، والعاقبة للتقوي ) .

في هذا العصر الخاوي من الروحانية ، نجد من يدعو إلي تغيير معالم الدين حتي تتأقلم مع أفكار البشر ( أنسنة الدين ) وتفريغه من كل قيم السماء ، فيصبح الدين كما هو الأفكار بلا روح ، وتبدأ حياة البشر بالإنهيار ، لأن البشر يقدسون حين تغيب القيم السماوية القوة المالية والعسكرية ، ويتعاملون معها بشكل يجعل الإنسان بلا توازن ، وحينها تتدخل السماء لتقول له ( فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ) ، فالتقوي قيمة تتحول إلي قوة ، ولكنها ليست قوة مادية ظاهرة ، وإنما هي قوة روحية عميقة تعطي صاحبها توازنا عجيبا في قراءته للأحداث ، وفي سلوكه في الحياة .

١٠ - جاء الإنسان إلي الحياة ليلعب دورا محدد له ، فهو بهذا يكون إلي قسمين ، قسم يتيه عن دوره ، وقسم يعرف الهدف من حياته ، فالقسم الأول يخرج من طور الانسانية بمجرد رفضه لذلك الدور المحدد( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهم الأمل فسوف يلعبون ) وقسم عرف دوره من خلال اتصاله بالسماء ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ، والذين من قبلكم لعلكم تتقون )

التقوي كما قررنا في بداية الحديث هدف استراتيجي لهذا الشهر الكريم ، ولكن التقوي ليس شعارا يرفع من فوق المنابر ، وكلاما يذاع من خلال الإعلام الإسلامي ، وإنما هو برنامج متكامل يبدأ من الفرد ، ويمر عبر الأسرة ، وينتهي بالمحافل الدولية ، فهل المسلمون المتخلفون بكل ما تعني الكلمة من معني يفتخرون اليوم بالإستفادة من مدرسة الصوم ؟ لا أظن ذلك .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات

اترك تعليقك

علق كزائر سجل حساب جديد أو سجل دخولك لتكتب تعليق
ملحقات (0 / 3)
Share Your Location
اشترك فى خدمة بريدنا اليومى حتى تصلك اشعارات بكل ما هو جديد
الأكثر قراءة